الأقباط متحدون - صخرةُ العالِم.. وسوطُ السجّان
  • ٢٠:٤٩
  • الاربعاء , ٢٧ فبراير ٢٠١٩
English version

صخرةُ العالِم.. وسوطُ السجّان

مقالات مختارة | بقلم : فاطمة ناعوت

٢٤: ١٠ م +02:00 EET

الاربعاء ٢٧ فبراير ٢٠١٩

فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت

 جلستُ أفكّر فى ضيف شرف صالونى الشهر القادم. ولا أدرى لماذا ألحَّ علىَّ ذلك الرجلُ العظيم، الذى تفصِلُنى عنه الآن حُجُبٌ وأسوارٌ، وأسرارٌ لا أعرف كُنهَها. لن يكون ضيفَ صالونى أبدًا، لأنه فى مكان بعيد لا أعرفُ إليه سبيلاً. مضى وترك هذا العالَم الحزين ونحن فى أمَسِّ الحاجة إلى رأيه وعقله وفلسفته ووطنيته. على أنه، قبل أن يمضى، ترك لى هديةً ثمينة من كلماته، تُزيّنُ صدرَ أحد كتبى فى شكل مقدمة فاتنة، أعتبرُها أرفعَ الجوائز الأدبية التى حصلتُ عليها.

 
جلسَ أمامى يُعلّمنى قائلاً: «يا مسجون.. حَطِّمِ الصخرةَ بالفأس. للصخرةِ سبعةُ أبواب، حدِّدْ مكانَ الباب، واضربْ»، هكذا كان يزعقُ السجّانُ الخشنُ فى وجه المفكر الكبير وهو يلوّحُ بالسَّوط. ذلك السوطُ الآثمُ نالَ من جسد الفيلسوف فى المعتقل السياسى. أثناء النهار كان السجّانُ يقسو على السجين الكبير ويجعله يُكسِّر الصخورَ بالمعول حتى ينالَ منه التعبُ تحت لهيب الشمس. وفى المساء، كان العالِمُ يدعو السجّانَ الأُمىَّ إلى زنزانته، لكى يُعلّمَه القراءةَ والكتابة وشيئًا مما فاته من المبادئ وقانون الأخلاق. هنا، أُقاطِعُ الأستاذَ وأهتفُ فى عجبٍ: «يا أستاذ محمود! السجّانُ يجلدُك بالسياط نهارًا، وأنتَ تمحو أميّتَه فى الليل؟!»، فيقول، وابتسامتُه الرائقةُ الشهيرةُ تُشرِقُ على وجهه: «طبعاً يا فاطمة يا حبيبتى. كلٌّ منّا يؤدى دورَه فى الحياة بإخلاص وجدية. السجّانُ يظنُّ أننى مذنبٌ أستحقُّ العقاب؛ لأنهم أفهموه أنّ المطالبة بالديمقراطية مُروقٌ وخروجٌ عن القانون بدليل أننى مسجون. ولذلك كان جَلْدُه لى واجبًا وطنيًّا يؤديه بأمانة. وواجبى أنا كان حقَّه الذى فى عنقى: وهو تعليمُه وتثقيفه هو وغيره من الأميين الذين فاتهم حظُّ التعليم». أسألُه بحُبٍّ وإعجاب: «يعنى أنتَ لم تكره سجّانَك يا أستاذ؟»، فيجيبنى بحسمٍ: «مطلقًا! بالعكس! كنتُ أحبُّه وأشفقُ عليه وأشعرُ بالمسؤولية تجاهه. هو ضحيةُ التغييب والجهل. وكنتُ أتعلّم منه أسرارَ الصخور ومفاتيحَ أبوابها. أُصغى إليه وهو يتفحّصُ الصخرةَ الكبيرةَ، ثم يشيرُ بإصبعه على مكامن ضعفها السبعة، التى هى أبوابُها، ثم يأمرنى أن أهبطَ بمِعولى فوق تلك الأبواب، فتتحطم الصخرة. ذاك كان عملى فى عقوبة الأشغال الشاقة. لا تتفتتُ الصخرةُ إلا من نقاط ضعفها السبع، أو أبوابها السبعة. السجّانُ الماهرُ يُعلمنى بالنهار كيف أفتِّتُ الصخرَ، وأعلمه أنا بالليل كيف يفتِّتُ أسوارَ العتمة من حوله»، وبعدما ينتهى الأستاذُ الجميلُ من تعليم سجّانه الأبجدية والأخلاق، يقضى بقية ليله الطويل بالزنزانة فى كتابة القصائدِ على الحوائط. تلك القصائدُ لاتزالُ شاهدةً وحيّة، شاهدتُها بنفسى، على حوائط سجن القلعة، ترفض الحيطانُ أن تمحوَها!
 
ذلك هو المُفكّرُ والمناضلُ الوطنىُّ الذى فقدناه فى مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات، فسقطت برحيله من صندوق جواهرنا أيقونةٌ حُرّةٌ نادرةٌ عزَّ نظيرُها. هو الفيلسوفُ الذى كنتُ أسيرُ معه من المجلس الأعلى للثقافة، وحتى بيته فى جاردن سيتى، فأراه يصافحُ البسطاءَ فى الطرقات، ويمازحُ البوابَ والسائس والشحاذَ، يسأل عن أولادهم ويسمع شكاواهم! هكذا يفعلُ الكبارُ والأنبياءُ الذين يدركون أن البسطاءَ هم «مِلحُ الأرض» وكنزُ الحياة الذى يجب الاستثمارُ فيه حتى نعلو ونرتقى.
 
إنه الفيلسوف المصرى الاستثنائى صاحب الأطروحة الملهمة: «فلسفة المصادفة»، التى تُضفرُ الفيزياءَ بالرياضيات بقانون الاحتمالات مع الفلسفة والنقد السياسى والجدلية التاريخية فى جديلة فاتنة وخطيرة الدلالات، تجعلك تعيد قراءةَ التاريخ بعينين جديدتين مُبصرتين بوعى جديد وفكر مختلف. المفكر الكبير وأبى الروحى «محمود أمين العالِم»، الذى توافق ذكراه هذه الأيام.
 
وأما الطُّرفةُ التى لا أنساها فكانت بسبب المقدمة الجميلة التى كتبها لأحد كتبى، وأعتبرُها وسامًا فوق صدرى أفاخرُ به العالمين. كانت المقدمة بعنوان: «تحذير ومقاربة»، يحذِّرُ فيها الأستاذُ القارئَ من القراءة السطحية غير العميقة، ويدعو إلى قراءة كتابى بحذر وتعمّق ودون استسهال. بعد صدور الكتاب عام 2006، نشرت جريدةُ «الأهرام» خبرًا ذكيًّا تحت مانشيت مخاتل يقول: «العالم يحذِّر من كتاب فاطمة ناعوت الجديد». يومها أيقظنى رنينُ الهاتف فى السادسة صباحًا، لأجد أمى تصرخ فى الهاتف: «هبِّبْتى إيه فى كتابك الأخير؟ وليه بيحذّروا الناس منه؟!»، والحكاية أن الخبر لم يضع كسرةً تحت اللام فى كلمة «العالِم»، فقرأتها أمى: «العالَم يُحذّر من كتاب ناعوت!»، وارتعبتْ أن يكون كلُّ العالَم ضدى، ويحذِّر من كتابى!
 
ذلك المفكرُ الجليل والأبُ الروحى، الذى رحل عنّا يوم 18 فبراير 2009، لن يكون ضيفًا شرفيًّا فى صالونى أبدًا، لكنه ضيفٌ دائمٌ فى قلبى وعقلى ما حييتُ، فطوباه وسلامٌ عليه، وقُبلةُ احترام على يده التى حملتِ القلمَ فى وجه سوط السجّان. فسقطت السياطُ، وبقى القلمُ خالدًا لا يموت! «الدينُ لله، والوطنُ لمَن يحبُّ الوطن».
نقلا عن المصرى اليوم
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع