بقلم الأب يسطس الأورشليمى
هي الصُورة المتكاملة لأحداث القيامة المجيد، لتلاميذه وآخرين كما يرُويها البشيرين الأربع في الإنجيل..
قد يظن البعض أن هُناك تعارضاً بين إنجيل القيامة في البشائر الأربعة، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فكُل من البشائر تُكمل بعضها البعض، لترسم لنا صُورة رائعة كاملة لأحداث القيامة، وظهُورات الرّب، فتعال بنا أيها الأخ المحبُوب لكي ما نتأمل ونتطلع معاً لهذه الصُورة:
أولاً: تبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل، ونظرن القبر وكيف وضع جسده، فرجعن وأعددن حنُوطاً وأطياباً، وفي السبت استرحن حسب الوصية، ثُم في أول الأسبُوع، أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنُوط الذي أعددنه ومعهن أناس، فُوجدن الحجر مُدحرجاً عن القبر..
ثانياً: نظراً لمحبّة مريم المجدلية الكبيرة، ومريم الأخرى وتعلقهما الشديد بشخص الرّب يسُوع، فإنهما أسرعتا الخطى ووصلتا إلى القبر قبل الجميع، وكان الُوقت مازال فجراً فشاهدتا الزلزلة التي حدثت عند نزُول ملاك الرّب من السماء ودحرجته للحجر، ليُعلن أن القبر فارغاً والمسيح بالحقيقة قام وكلّم المرأتين وقال لهما: لا تخافا أنتما، انظرا المُوضع الذي كان الرّب مضطجعاً فيه، واذهبا سريعاً قُولا لتلاميذه: إنه قد قام من الأمُوات، ها هُو يسبقكُم إلى الجليل، هُناك ترُونه، ها أنا قد قلت لكما، فخرجتا سريعاً من القبر بخُوفٍ وفرحٍ عظيمٍ، راكضتين لتخبرا تلاميذه، وفيما هما منطلقتين لتخبرا تلاميذه إذا يسُوع لاقاهما وقال: سلامٌ لكما! فتقدمتا وأمسكتا بقدميه فقال لهما: لا تخافا، اذهبا قُولا لإخُوتي أن يذهبُوا إلى الجليل (مت28)..
ثالثاً: أسرعت مريم المجدلية لتُخبر التلميذين بُطرُس ويُوحنا بما حدث وما عاينت ورسالة رّب المجد لهما، ولكنها في الطريق بدأ الشك يعمل في عقلها، هل ما حدث كان حقيقة أم خيالاً نتيجة حُبها وتعلقها برّب المجد؟! خاصة أن مريم الأخرى انفصلت عنها في الطريق، لأنها عادت مع الباقيات إلى القبر، وخشيت ألاّ يصدقُوها ويظنُوا بها الظنُون، فلما وصلت إليهما لم تخبريهما بما حدث، بل أكتفت بالقُول أخذُوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعُوه، فخرج بُطرُس ويُوحنا وأتيا إلى القبر (يو20)..
رابعاً: مريم الأخرى قابلت الباقيات في الطريق، فعادت معهن إلى القبر وفي الطريق كانت تحدثهُم بما شاهدت وعاينت، لذلك لم يذكر لُوقا قُول النسُوة مَن يدحرج لنا الحجر عن باب القبر، وهُناك وقف بهن رجلان بثياب براقة وقال لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الأمُوات؟ ليس هُو ههنا لكنه قام، اذكرن كيف كلّمكن وهُو بعد في الجليل قائلاً: إنه ينبغي أن يُسلّم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويُصلب، وفي اليُوم الثالث يقُوم..
خامساً: عادت مريم المجدلية ومعها التلميذين بُطرُس ويُوحنا الذين عاينا القبر الفارغ ونظر الأكفان والمنديل الذي كان على رأس السيد ومضيا بعد ذلك إلى موضعيهما، فيقُول: أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكي، وفيما هي تبكي انحنت إلى القبر، فنظرت ملاكين بثيابٍ بيضٍ جالسين واحداً عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيثُ كان الجسد مُوضُوعاً (مر9:16-11؛ يو11:20-18)، وظهر لها الرّب للمرة الثانية لكي يُعاتبها لأنها لم تصدق ظهُوره لها في المرة الأولى ورسالته لتلاميذه..
سادساً: لقد ذاع خبر القيامة بين تلاميذ رّب المجد، والجمُوع التي تبعته من الجليل إلى أورشليم، فبدأت الجمُوع تتُوافد إلى القبر وكانت الشمس قد طلعت، كما كتب مرقس: وباكر جداً في أول الأسبُوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس (مر2:16-8)، ولأنه كتب بشارته للأمميين، فقد تعمد أن يبدأ حديثه عن القيامة بذكر أن الشمس قد أشرقت حتى لا يظنُوا أن الملاك الذي ظهر للذين عاينُوا القبر الفارغ هُو أحد الآلهة مثل: أفروديت من التي يعتقدُون بُوجُودها، والتي لا تظهر إلاّ في الظلام..
سابعاً: ظهر الرّب لتلميذي عمُواس، وهما مُنطلقان إلى قرية عمُواس ورافقيهما في مسيرتهُم وكان يُفسر لهُم الأمُور المُختصة به في جميع الكُتب وعندما مال النهار ومكث معهما، فلما اتكأ أخذ خُبزاً وبارك وكسر، وناولهما فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما..
ثامناً: بعد ذلك ظهر للتلاميذ المُجتمعين مع الأحد عشر، فقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم، ووجدا الأحد عشر مُجتمعين، هُم والذين معهُم وهُم يقُولُون: إن الرّب قام بالحقيقة وظهر لسمعان..
تاسعاً: في عشية يُوم القيامة والأحد عشر مُجتمعين في العلية والأبُواب مُغلقة جاء يسُوع وُوقف في وسطهُم وأراهم يديه وجنبه، وأعطاهُم سُلطان الحل والربط، وأرسلهُم، راجع (يو19:20-23)..
عاشراً: بعد ثمانية أيام كان التلاميذ أيضاً مُجتمعين ومعهُم توما، فجاء يسُوع والأبُواب مغلقة، وُوقف في وسطهُم، وقال: سلامٌ لكُم! وكان هذا الظهُور من أجل تطُويب الذين يؤمنُون ولم يرُوا..
الحادي عشر: لم يستطع التلاميذ أن يجدُوا طريقهُم، فعادُوا إلى الجليل حيثُ قابلهُم الرّب يسُوع للمرة الأولى ودعاهُم أن يتبعُوه ويصيرُوا له تلاميذ وهُناك في الجليل على بحيرة طبرية ظهر رّب المجد لسبعة من التلاميذ، راجع الكتاب المُقدس (يو1:20-20)..
الثاني عشر: شك الأربعة تلاميذ الذين لم يعاينُوا ظهُور رّب المجد على بحيرة طبرية في رُواية باقي التلاميذ الذين عاينُوا الظهُور، فظهر لهُم على جبل طابُور حيثُ أرسلهُم للكرازة (مت28)..
وهكذا نرى أن البشيرين رسمُوا لنا صُورة رائعة مُتكاملة، وسيناريُو لأحداث القيامة ليس بينها أية تعارض، لذلك تحرص الكنيسة على قراءة إنجيل القيامة باكر كُل يُوم أحد من الأربع البشائر بالتتابع..
فمتى البشير أورد لنا في بشارته أول أحداث القيامة من نزُول الملاك من السماء فجراً والظلام باق ليُدحرج الحجر عن باب القبر ويُعلن قيامة الرّب، ثُم أورد ظهُوره للمريمات وللتلاميذ على جبل طابُور..
أما مرقس البشير، فبدأ أحاديثه عن القيامة بعد أن أنتشر خبر القيامة بين التلاميذ، وذهابهُم إلى القبر وبعد أن طلعت الشمس، ثُم ذكر بعض الظهُورات غير مُتقيد بتسلسل الأحداث (مر16)..
وبدأ لُوقا البشير حديثه عن القيامة منذ لحظة وصُول النساء الذين تبعُوه من الجليل إلى القبر، ذاكراً بعد ذلك ظهُور رّب المجد لتلميذي عمُواس، وظهُوره لعدد من التلاميذ المُجتمعين (لو24)..
أما يُوحنا البشير فيبدأ حديثه عن أحداث القيامة بدءاً من ذهاب مريم المجدلية لتخبر التلاميذ بعدم وجُود الرّب في القبر، ثم يسترسل إلى سرد ظهُور رّب المجد للمجدلية ورسالته، ثم أورد الظهُورات التي عاينها وكان شاهداً عليها، من ظهُوره لهُم في العلية يُوم القيامة، ثم بعد ثمانية أيام، وأخيراً ظهُوره للتلاميذ على بحيرة طبرية وإرسالهُم للكرازة بعد أن دعاهُم لكي يتبعُوه ويصيرُوا له تلاميذ، وفي النهاية طلب منهُم أن يذهبُوا ويتلمذُوا جميع الأمم ويعمدُوهم باسم الآب، والابن، والرُوح القُدس، ويعلمُوهُم أن يحفظُوا جميع وصاياه، وأنه معهُم كُل الأيام إلى انقضاء الدهر ..





