أكرم ألفي
مصر تحتاج لاستعادة الدور الوظيفي لمدينة الاسكندرية كعاصمة ثانية للمحروسة. المدينة الجميلة التي يقطنها حالياً 5.666 مليون نسمة ويزيد سكانها بنسبة نمو تقارب 0.6% سنوياً، تمثل تركيبة سكانية شبه نموذجية بارتفاع نسبة كبار السن عن 10% وانخفاض نسبة الأطفال مقابل هيمنة لفئة الشباب الذي يحصل أغلبهم على تعليم جامعي بالتوازي مع انخفاض واضح في معدل المواليد وتبنى نموذج الأسر الأصغر التي تضم طفلين فقط.
أسكندرية ظلت رأس حربة في النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي والثقافي للمحروسة خلال القرون الماضية وكانت حقبة الاربعينيات من القرن الماضي تمثل ذروة انتعاشها السكاني والاقتصادي والسياسي والثقافي بسبب طبيعة تركيبتها الاجتماعية التي ضمت أعداد كبية من الأوروبيين وانتعاش التجارة عبر البحر المتوسط وكونها العاصمة الصيفية الرسمية للحكومة المصرية.
في هذه الحقبة كانت اسكندرية على حق هي "ماريا" الشرق الأوسط وفاعل رئيسي في التحولات نحو التحديث في المحروسة.. ولكن منذ عقود طويلة تراجع الدور المحوري للأسكندرية وساهم في ذلك اندفاع النخب إلى الساحل الشمالي القريب وتأسيس مدينة العلمين الجديدة كعاصمة صيفية "مجازاً" لمصر.
بالتوازي، شهدت الاسكندرية خلال التسعينيات والعقد الأول من القرن الماضي ما يعرف بموجة "عشوائية" قادرتها نخبة تميل أكثر إلى نمط "الكسب عبر الفساد" وترويج خطاب يُحمل القادمين من ريف الوجه البحري هذه العشوائية "المربحة" لحيتان رأس المال في المدينة.
إن اسكندرية المنشية وبحري والمنتزة التي عاصرتها في ثمانينيات القرن الماضي أصبحت تاريخاً لتتحول إلى مدينة اخرى رغم محاولات مكثفة لاعادة رونقها عبر اجهزة تنفيذية خلال العقد المنصرم ولكن هذه المحاولات رغم جديتها لا تنجح في استعادة الدور القيادي لاسكندرية الماريا في الحياة الثقافية والاجتماعية للمحروسة وتظل مكتبة الاسكندرية ومهرجان الأفلام القصيرة ومحاولات عدة مجرد مساع جادة لا يمكنها عكس اتجاه التيار العام.
إن استعادة الاسكندرية يحتاج إلى رؤية واضحة تتعلق باستعادة دورها الوظيفي وليس الدخول في تيه مناقشة التفاصيل. دور يقوم على توجيه النظام المؤسسات الرئيسية لانشاء أفرع كبرى في المدينة وتحويلها إلى ما يمكن توصيفه بعاصمة للوجه البحري ومركزاً رئيسياً للمؤسسات الإقليمية والدولية..
فتح بابا المناقشة يجب أن يكون بسيطاً للابتعاد عن مساعي النخب للنقاش في التفاصيل والحديث عن الترام والكورنيش وما حدث في ابوتلات والعجمي ومشاكل شارع خالد بن الوليد وغيرها بل هو طرح فكرة واضحة وهي تحويل الأسكندرية إلى جنيف الشرق الأوسط.
الترجمة هي دفع الحكومة ومؤسساتها لكافة المؤسسات اللإقليمية إلى عقد مؤتمراتها وفاعلياته في الاسكندرية إلى جانب بناء أفرع بديلة للوزارات في المدينة وتحويلها إلى عاصمة قرار ثانية أصبحت قريبة من الساحل الشمالي التي تقطنه أغلب النخب صيفاً .. استعادة الحضور المؤسسي للأسكندرية هي عملية ممكنة ستتوازي مع استعادة الحضور الاقتصادي من خلال استغلال العامرية والدخيلة ومع هذه التحولات فإن دور المؤسسات الحاضرة بالفعل مثل مكتبة الاسكندرية سيتعاظم بالضرورة..
اسكندرية بالنسبة لي ليس قضيتها هي ترام أو كورنيش حديث بل استعادة لدور وظيفي يسمح لنا بان نبتسم ونحن نغني "عمار يا إسكندرية يا جميلة يا ماريا"
نقلا عن المصرى اليوم





