الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من أكبر الصور التي تغيب عن الوعي المسيحيّ في المجتمع المصريّ صورةُ الله بصفته صديقًا للإنسان. فغالبًا ما يُقدَّم الله بوصفه سيّدًا بعيدًا، أو قاضيًا، أو قوّةً تُخشى، فيما يغيب البعد الذي كشفه يسوع المسيح بوضوح: الله الذي يريد علاقة، لا مجرّد طاعة.
هذه الصورة ليست وافدة على الكتاب المقدّس، بل حاضرة منذ صفحاته الأولى، حين نراه في سفر التكوين يتمشّى مع آدم ويتحاور معه. والخلاص الذي يحقّقه يسوع المسيح لا يختصر الفداء في منطق الذبيحة وحده، بل في "إعادة الإنسان إلى صداقته مع الله". فالفداء، في عمقه، هو ترميم العلاقة التي انكسرت، لا تسديد دَين أو إزالة عقوبة.
هذا الفهم لا يعبّر عن قرائتي الشخصيّة أو الروحيّة فحسب، بل يجد صداه بوضوح في تعليم الكنيسة المعاصر. ففي تعليم الأربعاء المخصّص لشرح المجمع الفاتيكانيّ الثاني، يتوقّف البابا لاون الرابع عشر عند الدستور العقيديّ "كلمة الله" ليؤكّد أنّ الوحي الإلهيّ يُفهم، في جوهره، دعوةً إلى علاقة صداقة بين الله والإنسان. ويبيّن البابا أنّ يسوع، حين قال: «لا أَدعوكم خَدَمًا… بل أصدقائي»، لم يستخدم صورةً بلاغيّة، بل أعلن تحوّلًا جوهريًّا في علاقة الإنسان بالله. فالوحي، "حوار يبدأه الله بدافع المحبّة"، حيث يكلّم البشر بصفتهم أصدقاء ويدعوهم إلى الشركة معه.
ويشدّد التعليم على أنّ هذه الصداقة لا تقوم على مساواة طبيعيّة بين الله والإنسان، بل على نعمة تجعل الإنسان شريكًا لله في الابن. فالتجسّد هو اللحظة التي بلغ فيها العهد غايتَه: الله لا يكتفي بأن يكلّم الإنسان، بل يدخل في تاريخه ليعيد فتح الحوار الذي انقطع بالخطيئة.
ويخلص البابا إلى أنّ الصداقة مع الله قد تضعف بالإهمال، كما يحدث في كلّ علاقةٍ حيّة، غير أنّ من يعتني بها يكتشف أنّها ليست عنصرًا ثانويًّا في الإيمان، بل "قلب الخلاص المسيحيّ نفسه".
راجع البابا لاون الرابع عشر، تعليم الأربعاء ١٤ كانون الثّاني/يناير ٢٠٢٦
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





