بقلم نادر شكري
شمل مشروع القانون الذي تقدم به النائب عمرو درويش، عضو مجلس النواب، وحمل عنوان: "إنشاء الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة"، إنشاء هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية تابعة لمجلس الوزراء، وهناك العديد من بنود المشروع التي تحمل عوارًا وإشكاليات تتعلق بوضعية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، صاحبة الولاية على المواقع المقدسة.
أولًا: تجاهل مشروع القانون دور الكنيسة في الولاية الأساسية على المقدسات، وهي إشكالية قانونية؛ فطبقًا لنص المادة الثالثة من الدستور المصري، تُعد الكنيسة صاحبة "القول الفصل" هنا. فالدستور منح أصحاب الشرائع غير المسلمة الحق في تنظيم شؤونهم الدينية. وبما أن هذه المواقع هي "دور عبادة" حية (أديرة وكنائس)، وليست مجرد أطلال سياحية، فإن أي قانون يتجاوز "الولاية الروحية والإدارية" للكنيسة قد يصطدم بشبهة عدم الدستورية.
ثانيًا: في المادة السابعة الخاصة بتشكيل الهيئة، تم وضع عدد كبير من الوزارات والجهات، وبعضها ليس له علاقة مباشرة بالمشروع، الذي ينحصر أساسًا في وزارات السياحة والآثار، والتنمية المحلية، والثقافة، في حين أُغفلت وزارة الداخلية، رغم أنها تتحمل عبء التأمين والسلامة.
ثالثًا: تحدثت المادة الثالثة عن عوائد وموارد الهيئة، ومنها بند المنح والتبرعات والهبات، إذ إن الهيئة ليست مؤسسة أو جمعية خيرية تخضع لأحكام القانون الخاصة بالتبرعات والهبات ولم يحدد طريقة توجيه التبرعات القادمة. كما تضمن هذا البند فرض رسوم على الزيارات، وهو أمر يخالف طبيعة هذه المواقع، لأنها كنائس وأديرة مقدسة تدخل ضمن دور العبادة، وليست متاحف حتى يتم فرض رسوم على الدخول إليها. كذلك تضمن البند عوائد استثمار الأراضي والمنشآت التابعة لها، وهو ما يثير إشكالية قانونية تتعلق بالتصرف فيما لا تملكه الهيئة حتى يتم استثماره لاسيما ان ما يحط بنقاط المسار أغلبيتها ملكًا للكنيسة أو الاقباط.
وفي هذه المادة تظهر عدة نقاط مثيرة للجدل والشكوك والصدام المحتمل، ومنها:
كيف سيتم توفيق وضعية التبرعات والمنح والهبات بالشكل القانوني الذي يحدده الدستور للمؤسسات والجهات الخاضعة لهذه الشروط؟ وهل يدخل بند التبرعات في تداخل مع التبرعات التي تُوجَّه للكنائس والأديرة الواقعة ضمن نقاط المسار، بما يعني تدخلًا في دور العبادة ويخالف المادة الثالثة من الدستور، ويُعد تدخلًا في شؤون الكنيسة صاحبة الولاية؟
بند فرض رسوم على الزيارات يفتح الباب أمام إشكالية تتعلق بحرية العبادة وممارسة الشعائر دون قيود، إذ لا يجوز فرض مثل هذه الرسوم إلا على المتاحف والمناطق الأثرية العامة.
لم يحدد البند الخاص بعوائد استثمار الأراضي والمنشآت التابعة للهيئة طبيعة هذه الأراضي والمنشآت، في حين أن الهيئة لا تملك هذه الأصول حتى تحصد عوائد منها، وهو ما يمثل إشكالية قانونية تتعلق بحقوق الملكية، سواء للكنيسة أو للأفراد. كما يرتبط ذلك بالمادة الرابعة التي تنص على أن "أموال الهيئة أموال عامة، ولها في سبيل اقتضاء حقوقها الحجز الإداري"، وهو ما قد يدفع إلى سنوات من التقاضي بين الجهات المالكة، لا سيما أن نقاط مسار العائلة المقدسة تقع على أراضٍ مملوكة للكنيسة والأديرة ومواطنين أقباط.
رابعًا: تنص المادة السادسة على نقل تبعية الأراضي والمنشآت السياحية (غير الأثرية) الواقعة في نطاق نقاط المسار، بقرار من رئيس مجلس الوزراء، من المحافظات المعنية إلى الهيئة. وهو مصطلح يشوبه الغموض، ويمثل فخًا قانونيًا في ظل غياب تعريف واضح وحدود دقيقة لهذه الأراضي، بما يمنح "السلطة التقديرية" للهيئة الحق في التوسع على ممتلكات قد تكون تابعة للأوقاف الكنسية أو لملكية خاصة تاريخية، مما يفتح الباب أمام نزاعات قضائية معقدة حول "الحق في الملكية".
خامسًا: يمنح هذا البند الهيئة سلطة واسعة في ما يتعلق بالموازنة، إذ يكون لها موازنة خاصة بعيدة عن قواعد النظام المحاسبي الموحد والقواعد الحكومية، رغم الحديث عن مشروع قومي، وهو ما يثير الشكوك حول آليات الرقابة على الميزانية وتوزيعها.
سادسًا: تكشف ازدواجية المعايير والعمل، في ظل تشكيل الهيئة الذي يضم عددًا من الوزارات، عن عوار قانوني يتعلق بالاختصاصات، ما بين خطة كل وزارة وميزانيتها، وبين الهيئة التي تضم هذه الوزارات، مما يؤدي إلى تضارب في الصلاحيات والاختصاصات وتداخل السلطات، ويثير تساؤلات حول النفوذ والمصالح، لا سيما أن بعض الجهات المدرجة في التشكيل ليست لها علاقة مباشرة بالمسار. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك اختصاصات الكنيسة وطبيعة المواقع الروحية المقدسة.
سابعًا: ينص أحد البنود ضمن اختصاصات الهيئة على "الموافقة على تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين"، وهو نص غامض بشأن إنشاء الشركات بواسطة الهيئة، التي يُفترض أنها جهة تنسيقية بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وقد يثير هذا البند الشكوك حول إنشاء شركات من الباطن لخدمة مصالح أو أشخاص بعينهم، بما يثير شبهة الفساد.
ولذا تظهر إشكالية كبيرة في هذا المشروع تتعلق بصيغة التنفيذ على أرض الواقع، إذ تحمل بنوده عبارات مطاطة تحتمل تفسيرات مختلفة، بما يكشف عن صدام محتمل في ظل التضارب والتداخل.
• مخاوف مشروعة لرفض القانون
هناك أسباب منطقية لرفض هذا المشروع، بالإضافة إلى العوار القانوني الذي تم شرحه في العناصر السابقة، وصعوبة إيجاد صيغة تنفيذية توافقية تحدد الاختصاصات. كما أن هناك أمرًا بالغ الخطورة يتعلق بالمستقبل، يجب الحذر منه، وهو أنه في حال تمرير هذا القانون وفرضه كواقع، وحتى مع افتراض حسن النية في المرحلة الحالية والثقة في القائمين عليه، فماذا عن المتغيرات المستقبلية، سواء في الأشخاص أو التوجهات؟ وماذا لو تم إجراء تعديلات مستقبلية على القانون تزيد من حدة الصدام وتهدد قيمة وتراث المواقع الكنسية وإدارة الكنيسة لها، رغم أنها صاحبة الولاية على دور العبادة؟
فما الضمانات في حال حدوث ظروف غير مستقرة قد تؤدي إلى تعديل هذا القانون بشكل يتسبب في صدام مع المؤسسة الكنسية وأحقيتها الشرعية في إدارة هذه المواقع، خصوصًا في ظل أصوات سابقة تحدثت عن أموال الكنائس والأديرة وفرض السلطة والمحاسبة عليها؟ لذا، فإن هذا المشروع قد يهدد السلم المجتمعي ويدفع نحو أزمات مستقبلية.
• ماذا بعد؟
عندما طرح النائب هذا المشروع، لم يقدم أي دراسة تكشف عن معرفته بمواقع المسار، أو توضح المشكلات المتعلقة بها، أو التحديات والتعقيدات الإدارية، أو ما تم إنجازه بالفعل، وهي إشكالية تكشف عن ضعف مشروع القانون المقدم، الذي يبدو أنه وُضع دون دراسة كافية، وهو ما أثار الشكوك والغضب حوله.
ولذلك، هناك حلول واقعية بديلة لهذا المشروع، تبدأ أولًا بأهمية عقد لقاء حواري يضم أساقفة ومطارنة نقاط المسار، والجهات المختصة، وبعض الخبراء، لتحديد الإشكاليات والمعطيات المستقبلية، باعتبار ذلك أساسًا لتحديد آليات العمل.
كما تقدم البعض بمقترح أفضل يتمثل في تفعيل اللجنة التنسيقية الختامية بشكل أفضل وإذا كان تم الانتهاء من عملها فيقارح إنشاء لجنة تنسيقية تضم المعنيين بالمشروع على أرض الواقع، ولا سيما وزارة السياحة، وهيئة تنشيط السياحة، ووزارة التنمية المحلية، وبمشاركة المحافظين الذين تشمل محافظاتهم نقاط المسار، على غرار لجنة تقنين بناء الكنائس، بحيث يتم وضع توصيات وخطة عمل، وتحديد دور كل جهة خلال فترة زمنية محددة لتنفيذ التوصيات، وبحث سبل الاستثمار المتاحة في المواقع التي يمكن استغلالها دون إثارة إشكاليات قانونية أو صدام، وطرحها بشكل علني وفق نظام المناقصات للمستثمرين، بموافقة جميع أعضاء اللجنة، وبما يحافظ على إدارة وولاية الكنيسة على المواقع المقدسة.
أما بشأن الزائرين للحج المسيحي، فيتم التنسيق مع وزارة السياحة وشركات السياحة المسؤولة عن التعاقد مع السائحين لزيارة المسار، بحيث تشمل تكلفة الرحلة جميع النفقات، من الطيران والانتقالات والإقامة، مع تخصيص نسبة لتغطية الخدمات والزيارات ضمن إجمالي تكلفة الرحلة. وبهذا لن تكون هناك حاجة لفرض تذاكر دخول، مما يسمح لأصحاب الشأن بزيارة كنائسهم وأديرتهم دون أي إشكاليات، إلى جانب وضع برنامج تسويقي للمسار من خلال شركات معروفة تتولى جذب السياحة مقابل نسب محددة.
وبذلك يكون تشكيل اللجنة التنسيقية واضح الأهداف، ونتجنب أي صدام أو غضب يمس المقدسات أو ولاية الكنيسة على دور العبادة طبقًا للدستور، مع الحفاظ على الهوية الروحية للمواقع وطبيعتها وهدوئها.
وفي النهاية، فإن خطورة هذا المشروع لا تتعلق فقط ببعض البنود القانونية المثيرة للجدل، بل بما قد يترتب عليه مستقبلًا من تداعيات تمس طبيعة العلاقة الحساسة بين الدولة والكنيسة، وتمس كذلك قدسية مواقع دينية وروحية تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية والتاريخ المسيحي في العالم. فمثل هذه الملفات لا تُدار بمنطق الاستثمار المجرد أو توزيع النفوذ والمصالح، بل تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والحذر والتوافق الوطني الحقيقي.
إن مشروع “مسار العائلة المقدسة” ليس “سبوبة” اقتصادية، ولا “تورتة” قابلة للتقسيم بين أصحاب المصالح، بل مشروع روحي وحضاري ووطني يخص صورة مصر ومكانتها الدينية والتاريخية أمام العالم كله. وأي محاولة لتحويله إلى ساحة للصراع أو الاستحواذ أو خلق كيانات تبحث عن النفوذ والعوائد المالية، قد تدفع إلى أزمات نحن في غنى عنها، وتفتح أبوابًا من الاحتقان والشكوك والصدام لا تخدم أحدًا.
ولهذا، فإن الحكمة تقتضي غلق الباب مبكرًا أمام أي بنود مطاطة أو صلاحيات فضفاضة قد تُستغل مستقبلًا بصورة تضر بالسلم المجتمعي أو تمس ولاية الكنيسة على مقدساتها، مع ضرورة احترام الكنيسة القبطية كشريك أصيل في هذا المشروع، وتقدير دورها الروحي والتاريخي والوطني في الحفاظ على هذه المواقع وصون هويتها الروحية عبر عشرات السنين.





