أمينة خيري
حلم السفر الذى لا يداعب فقط خيال الكثير من الشباب المصرى، بل يسيطر عليه باعتباره الأمل الوحيد، والهدف الواحد، ليس اتهاماً لهم كما ذكرت فى مقال الأمس.

حين تزرع باذنجاناً يصعب، أو بالأحرى يستحيل أن تجنى بطيخاً، إلا لو تسللت بذرة بطيخ خلسة. ما يتم زرعه فى هؤلاء الشباب هو ما يتم جنيه. لم تبذل الجهود لزرع بذور حب العلم، وعشق الابتكار، وحب استطلاع أصل الأشياء، وغيرها. هؤلاء تم هرسهم فى عملية تعليمية قبل سنوات، مهمتها القضاء على التفكير النقدى، وإجهاض الطموح، وتنميط الكل، ليصبح الجميع صورة طبق الأصل من بعضه البعض.

وهناك توليفة ولع الأهل باكتناز الدرجات، ومناصبة الإصلاح العداء، من منطلق «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، والتى تتكامل مع مقاومة التغيير مع مصالح أصحاب الدروس الخصوصية، ويضاف إليها نظام تعليم دينى آخذ فى التوسع دون سبب ما واضح أو منطقى.

والاحتمال الآخر هو أن هؤلاء الشباب تسربوا من التعليم، وذلك لأسباب مختلفة، منها فقر الأسرة والحاجة إلى دفع الصغار لسوق العمل، أو تحول المدرسة إلى قوة طاردة، أو فقدان الإيمان بقيمة التعليم وأثره وفائدته، أو كل ما سبق.

فى الدول التى لا يلقى الشباب بأنفسهم فى بحار التهلكة بحثاً عن فرصة عمل، غالباً تكون هامشية فى سوق عمل هامشية، وذلك هرباً من الواقع، يجرى العمل على غرس حب العلم والابتكار منذ الصغر، لا عبر حفظ المنهج وسكبه على ورقة الامتحان، ولكن عبر تشجيع حرية التفكير والبحث والتجربة، ودعمها منذ الصغر، لا شجبها عبر إخبار الصغير أن ما يسأل عنه أو يحاول عمله «مش فى المنهج». هذه الدول وأنظمة التعليم فيها تعمل على تدريب الصغار على حل المشكلات عبر العلم والمنطق، وبعد البحث عن المعلومات والحقائق، مع التأكيد على أن التجربة تعنى إما النجاح أو الفشل، وأن الفشل ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وقائمة وسائل غرس حب العلم والشغف بالابتكار واحترام العمل الحقيقى طويلة.

وطالما أن أغلب هذه المكونات غائب، فسيظل الكثيرون من الشباب يعتبر السفر طريقه إلى الخلاص. والملاحظ أن حتى «حل السفر» لدى الغالبية منزوع الخطة. يعتقد الشاب أنه طالما حسين ابن عمه، وأحمد ابن خالته يرسلان أموالاً، غالباً تكون شحيحة، إلى أسرتيهما بعد نجاحهما فى الهجرة غير الشرعية إلى دولة هنا أو هناك، فإن هذا يعزز من هدف السفر.

كون حسين يعمل باليومية، وأحمد يعمل يوما ويوما، وكونهما يبيتان مع ٢٥ آخرين فى شقة ضيقة، أو أنهما يعتمدان على جمعيات خيرية للحصول على مساعدات غذائية وعلاجات وغيرهما، ليست تفاصيل مهمة.

كلمة أخيرة، تقلصت أعداد المسافرين من هؤلاء لأن الدولة «شدت حيلها» فى منع الهجرة غير الشرعية، لا لأن هؤلاء أيقنوا أن «السفر» ليس الحل.

هؤلاء الشباب فى أمس الحاجة إلى الثقافة والوعى وإعادة توجيه الحلم نحو عمل حقيقى.
نقلا عن المصرى اليوم