الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
اليوم الرابع: أن نصير أحرارًا
الأسقف إريك ڤاردن، راهبٌ سيسترسيانيّ نرويجيّ ، رئيس دير سابق وأُسقف تروندهايم، معروفٌ بتأمّلاته الروحيّة العميقة في تقليد الكنيسة. يعظ الخلوة الروحية للبابا لاون وأعضاء الكوريا الرومانية (إدارة الڤاتيكان):
أصبحت "الحرّيّة" كلمةً مثقلة بالجدل في الخطاب العامّ. فهي خيرٌ يتطلّع إليه جميع الناس، ويقاومون كلّ ما قد يقيّده أو ينتقص منه. لذلك تُستعمل مفردة الحرّيّة اليوم أداةً بلاغيّة قويّة التأثير. يكفي أن يُقال إنّ حرّيّة جماعةٍ ما مهدَّدة، حتّى تتفجّر موجات الغضب في وسائل التواصل، وقد يندفع الناس إلى الشوارع دفاعًا عنها. وفي أوروبا، تتبنّى قضايا سياسيّة متعدّدة خطابًا مشحونًا بلغة التحرير. غير أنّ ما يراه بعضهم "تحريرًا" يراه آخرون "قمعًا". وهكذا تتقابل المواقف، وترتفع راية "الحرّيّة" لدى الجميع، فيما يحتدم صراع مرير بين مشاريع متعارضة تتزيّا باسم الحرّيّة.
هذا الواقع يضع المسيحيّين أمام تحدٍّ واضح: ماذا نعني حين نتكلّم، في إطار الإيمان، عن أن نصير أحرارًا؟ هذا ما يتناوله برنارد حين يعلّق على الآية: «لأنّه أنقذني من فخّ الصيّادين ومن الكلمة المهلكة».
يرى القدّيس برناردوس أنّ الحرّيّة الحقيقيّة ليست أمرًا بديهيًّا للإنسان الساقط. فما يبدو لنا طبيعيًّا هو أن ننال ما نريد، وأن نُشبع رغباتنا، وأن نُنجز خططنا من غير عائق، وأن نفتخر بذكائنا ونستضيء بنور عقولنا. وإذ يخاطب الإنسان الواقع في هذا الوهم، يقول بتهكّم: «من تظنّ نفسك، أيّها العالِم القليل العلم؟ لقد صرتَ وحشًا تُنصب له الشراك».
وكوننا نتعثّر بسهولة، ونقع مرارًا في الشراك نفسها مع علمنا بها، دليلٌ على أنّنا لسنا أحرارًا حقًّا. نعجز بقوانا الخاصّة عن السير بثبات نحو الغاية التي خُلقنا لها، فنظلّ أسرى عوائق وتشتّتات تُقيّدنا.
ينطلق القدّيس برناردوس في فهمه للحرّيّة من "نَعَم" ابن الله لإرادة الآب. من هنا تتبدّل الصورة. فالحرّيّة المسيحيّة لا تعني السيطرة أو الاستحواذ، بل تعني أن نحبّ العالم محبّةً مصلوبة؛ محبّةً سخية تجعلنا، متّحدين بالمسيح، نرغب بحرّيّة في بذل حياتنا من أجله، لكي يتحرّر العالم. فينبغي الحذر حين تُستعمل الحرّيّة ذريعةً لتبرير أفعال كيانات مجرّدة مثل "الحزب" أو "الاقتصاد" أو "التاريخ". في الرؤية المسيحيّة، لا تُصبح سياسةٌ قمعيّة مشروعةً لمجرّد أنّها ترفع شعار الحرّيّة. الحرّيّة ذات المعنى هي الحرّيّة الشخصيّة، ولا يمكن لحرّيّة إنسان أن تقوم على إلغاء حرّيّة غيره.
إنّ الدخول في سرّ الحرّيّة المسيحيّة يقتضي قبول الألم. عندما يقول المسيح: «لا تقاوموا الشرّ»، لا يدعونا إلى التهاون مع الظلم، بل يكشف أنّ خدمة العدالة قد تمرّ أحيانًا من خلال احتمال المعاناة في سبيلها، ورفض مواجهة العنف بعنفٍ مضاد.
يبقى مثال الحرّيّة في الإيمان المسيحي هو ابن الله الذي «أخلى ذاته». ففي هذا الإخلاء تتجلّى الحرّيّة في أسمى صورها.
ترجمة الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





