الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
(قراءةٌ لاهوتيّة-سياسيّة)
ما نراه اليوم في الخطاب الأوروبيّ، حديث عن السيادة، وعن القانون الدولي، وعن رفض الإملاءات، يبدو في ظاهره موقفًا أخلاقيًّا. لكنّ اللاهوت يدعونا دائمًا إلى طرح سؤال أعمق: مِن أين يأتي هذا الكلام؟ ومن أيّ موقعٍ يُقال؟
في الإيمان المسيحيّ، القوّة ليست شرًّا في ذاتها، لكنّها تصبح خطرًا حين تتحوّل إلى وهم خلاص. فالكتاب المقدّس يذكّرنا مرارًا بأنّ القوّة تميل إلى نسيان حدودها، وأنّها حين تفعل ذلك تبدأ في تبرير ذاتها بدل خدمة الإنسان. لهذا لا يتفاجأ اللاهوت حين يرى القوّة، عندما تهتزّ، تستعير فجأةً لغة العدالة التي طالما همّشتها!
من منظورٍ لاهوتيّ، لا يُقاس صدق الكلام عن العدالة بلحظة النطق به، بل بذاكرة من يتكلّم. فمَن طالما صاغ النظام العالميّ على مقاس مصالحه، لا يصبح تلقائيًّا شاهدًا نقيًّا على القانون الدوليّ حين يتغيّر موقعه. هنا يعلّمنا الإيمان أنّ المشكلة ليست فقط في الظلم الذي يُمارَس، بل في العمى الذي يرافق الامتياز.
الكنيسة الكاثوليكيّة، في تعليمها الاجتماعيّ، لا تقف مع قوّةٍ ضدّ أخرى، بل تقف مع الإنسان، خصوصًا حين يُسحق بين القوّتين. لذلك لا تقرأ هذا المشهد بوصفه انتصارًا أخلاقيًّا لأوروبا، ولا سقوطًا أخلاقيًّا نهائيًّا لأمريكا، بل علامةٌ على تصدّع وَهمٍ قديم: وهم أنّ النظام العالميّ يمكن أن يُدار بلا مساءلة، وبلا توبة.
لاهوتيًّا، ما يحدث اليوم يمكن أن يكون لحظة نعمة أو لحظة خسارة. نعمة إن تحوّل الاحتجاج إلى مراجعة صادقة لعلاقة القوّة بالحقّ، وخسارة إن اقتصر على رفض أن تُمارَس الهيمنة على من اعتاد ممارستها. فالإيمان المسيحيّ لا يصفّق لمن يحتجّ حين يُظلم، ثمّ يصمت حين يَظلِم.
وهنا يظلّ السؤال مفتوحًا، ومزعجًا، ولاهوتيًّا بامتياز: هل تتجرّع أوروبّا اليوم من كأس إمبرياليّتها فعلًا، فتتعلّم معنى الحدود والتواضع؟
أم أنّها ترفض الكأس فقط… لأنّها لم تعد هي التي تقدّمه للآخرين؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





