أحمد الاشقر
العلمانية والعلمانيين كلمات اطلقت علي الدول المدنية الغربية وعلي من يطالبون بالدولة المدنية حيث العدل والمساواة وقوة القانون وتطبيقه علي الجميع وحرية الراءي والتعبير وان يتم الاخذ بالاسلوب العلمي في ادارة البلاد. وبالرغم من ان هذه الكلمات تحمل معاني ايجابية عديدة الا ان رجال الدين يستخدموها عادة لوصف الخارجين عن الدين في راءيهم ويتهموا من ينادي بالدولة المدنية في الدول الاسلامية بالكفر والالحاد والبعد عن الدين.علي ان هذا ليس وليد الساعة او جديد بل منذ العصور الوسطي وخاصة في القارة الاوروبية وحتي قبل ثورة التنويركانت الصراعات والاتهامات بين رجال الدين وبين العلم والمعرفة والفلسفة والعلماء ورجال الفن تصل الي ذروة شديدة واحيانا كان يتم الحكم علي العلماء الذين ياءتون بعلم جديد ومعرفة حديثة بالهرطقة وتقديمهم للمحمكة واعدامهم (الهرطقة توصف المجادلة في الدين، واسم اطلقه رجال الدين قديماً وخاصة في العصور الوسطة علي العلماء المسيحيين الذين اهتموا بالعلوم الدنيوية مثل الهندسة والجغرافية والفلسفة، وايضا في العراق وبلاد الشام في القرن الرابع وحتي نهاية الخامس ب.م. قبل ظهورالاسلام وكانوا وراء النهضة العلمية الكبيرة في هذه المنطقة في ذلك الوقت والتي امتدت الي شبه الجزيرة العربية ). وحالياً انتهت هذه الصراعات في الدول المدنية الغربية ولكنها تدور في دول عديدة نامية وخاصة الاسلامية ومعها تتاخر هذه الدول في تطورها وتقدم اسلوب الفكر والمعرفة فيها ولاينال العلم والعلماء فيها المكانة التي يستحقوها ومع الوقت يزداد تاءخر هذه الدول وتصبح  دول استهلاكية بعد ان يتم اغتيال ملكة الابتكار والتجديد ومحاولات التنوير فيها.
 
هل تعلم ياصديقي انه في الجامعة التكنولوجية السويسرية في لوزان تجري الابحاث والتجارب علي قدم وساق منذ اعوام عديدة بالاشتراك مع العديد من العلماء الاوروبيين لانتاج شمس صناعية؟ ايوه شمس صناعية او بالادق امكانية انتاج طاقة نووية للاغراض السلمية تعادل الطاقة التي ترسلها الشمس الي الارض، ومعها انتاج طاقة تكفي احتياجات البشر علي كوكبنا الجميل علي مر العصور القادمة؟ وهل تعلم انه هناك في فرنسا في مباني صممت خصيصاً وزودت باجهزة خاصة تجري فيها التجارب والابحاث علي كيفية الحياة فوق كوكب المريخ للانسان والحيوان والنبات وانتاج كل مايحتاجه البشر من غذاء ونبات وملبس وايضاً وسائل انتقال هناك؟ اننا نعيش فعلاً في عصر عجيب يطلقون عليه احياناً عصر مجنون نظراً للتطور الهائل في العلوم والتكنولوجيا حتي انه لايوجد اي شيء، نعم اي شيء، لايمكن بحثه واجراء التجارب علية واستنتاج اهداف تفيد الفرد والمجتمع في الدول المدنية التي اخذت بالعلم سبيلاً للتقدم والرخاء ورفاهية شعوبها. انظر الان ياصديقي الي جهاز تيلفونك الموبيل الصغير وكيف تحول الي مكتبك المتنقل معك في كل ارجاء كوكب الارض وايضا خارجه. (ايضاً ماقام به صاحب مصانع السيارة الكهربائية، تسلا، الون موسك، واعتزامه ارسال اكثر من ٤٠ الف قمر صتاعي صغير( تم ارسال عدة الاف منها) تدور حول الارض وتمكن سكان كوكبنا من الاتصال بالموبيل في اي مكان عليه، في المدن تماماً مثل في الصحاري، طبعاً مفيش بعد كده حاجة اسمها الشبكة واقعة 😊) ولنعود الي كوكبنا الجميل وشمسه العجوزة نسبياً ، عمرها الان حوالي ٥ مليارات سنة وستظل تسطع وتملاء الدنيا نوراً ودفء لمدة ٥ مليارات سنة قادمة اخري طبقاً للحسابات الرياضية الفيزيقية والمعقدة لكمية الطاقة الموجودة فيها. (كاتب هذه السطور سنحت له الفرصة لرؤية خواص معينة للشمس عندما زار القطب الشمالي وحيث تشرق الشمس ٢٤ ساعة يومياً وايضاً رؤية اضواء الشمس ذات الالوان الجميلة الخضراء والحمراء والصفراء والبنفسجي التي تحدث عندما تصطدم ذرات الرمال الشمسية بالمجال المغناطيس للارض عند القطب الشمالي ولكن هذا موضوع اخر).
 
منذ البداية اهتم الانسان والاديان بكوكب الارض وحركة الكواكب والنجوم الاخري والشمس والقمر. ففي عام ١٢٧-١٤١ ب. م. لم تكن مدينة الاسكندرية ومكتبتها العظيمة اهم مركز للبحوث الفلكية في الكون فحسب بل كانت الاسكندرية ايضاً المركز المرقسي (نسبة الي الرسول مرقس، احد الحواريين الذين رافقوا المسيح عليه السلام) الارثوذكسي الذي يدير جميع كنائس العالم تقريباً (وفي القرن الخامس الميلادي، حوالي ٤٤٠-٤٦٠ ب. م. كانت كنيسة الاسكندرية ايضاً تقود المعارضة ضد البابا في روما ومعها نشبت الصراعات والحروب الدموية بين البابا في روما والكنيسة الاسكندرانية والتي اودت بحياة مئات الالوف، وهذا موضوع اخر).
 
في الاسكندرية ايضاً برزاليوناني المصري بطليموس (عاش طول حياته في الاسكندرية وهناك من يقال انه ولد ايضاً فيها واخرون يقولون انه ولد في اليونان ثم انتقل للعيش في مصر في الاسكندرية) يراقب النجوم والكواكب بجانب العلوم التي برع فيها، الفلك والجغرافيا وعلم النجوم والتنجيم والرياضيات، واعلن نظريته التي تقول ان الارض مركز الكون والشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة في ذلك الوقت يدورون حول الارض. مات بطليموس عام ١٦٠ ب.م. وظلت نظريته قائمة سنوات عديدة.
 
في عام ٨٠٠ حتي ١٥٠٠ ازدهرت علوم العرب في الاندلس ومنها علم الفلك الذي استمده العرب من الملاحظات والمراقبات لحركة النجوم والكواكب في الشرق الاوسط واسيا الصغري وشمال افريقيا والشرق الاقصي والهند وظهرت حوالي ١٠ الاف كتاب للنجوم والكواكب مازالت مراجع هامة حتي اليوم. كانت هناك اكتشافات عديدة لنجوم جديدة مازالت تحمل الاسماء العربية حتي يومنا هذا منها علي سبيل المثال الدبران والنسر الطائر. علي انه كان لظهور الاسلام اثر مباشر وغير مباشر في ازدهارعلم الفلك وكان الدافع لازدهاره وتطوره يرجع لان الاسلام دعا المسلمين الي استعمال النجوم لاداء الواجبات الدينية ومعها طوروا الادوات المستخدمة في الرصد وتحديد الاوقات والابحار من خلال المتابعة والملاحظة والتاءمل واصبحت النجوم وسائل الهداية في البر والبحر وكذلك، لان النبي ( ع ص س ) عارض التنجيم والخرافات التي كانت سائدة بشاءن السماوات والارض في ذلك الوقت. ثم جاء عالم الفلك العربي، فخر الدين الرازي (١١٤٩-١٢٠٩) ورفض نظرية ان الارض مركز الكون واكد ان هناك عدد لايحصي من الاكوان والنجوم والكواكب والعوالم ونقد نظرية ارسطو والتي تقول ان الكون ليس له بداية. كا قال الرازي ان الفلك علم تجريبي ورياضي بحت وان محورالارض الكروية له شاءن في فصول العام وان الارض بيضاوية، مثل بيض النعام، وليست مسطحة. جمع الرازي معرفته وافتراضاته من دراسة علوم الفلك من الساسانيين والهيلينيين والهنود. ايضا قام الخوارزمي، عالم الجبر الشهير، بوضع جداول حركة الشمس والقمر والخمسة كواكب المعروفين في ذلك الوقت كما اعلن ان الكون له نقطة بداية. (للعلم: قطر الشمس حوالي ١.٤ مليون كم، اي حوالي ١٠٩ مرات مثل الارض ووزنها يعادل ٣٣٠ الف مرة وزن الارض وضوءها يصل الينا بعد ٨ دقائق. وهي تتكون من حوالي ٧٤٪‏ من الهيدروجين ٢٤٪‏ من الهليوم والباقي اوكسيجين وكربون ونيون وحديد وغيرها وتبعد الشمس حوالي ١٥٠ مليون كم عن الارض وهي مصدر كل انواع الطاقات علي الارض وداخلها ومنها مثلاً طاقة البترول المعروفة).
 
ظل الاعتقاد بان الارض مركز الكون وانها مسطحة حتي جاء كوبرنكوس (١٤٧٣-١٥٤٣) واعلن ان الشمس هي المركز وان الكواكب الخمسة الاخري ومنها الارض تدور حولها في مدارات محددة ومنظمة كما ان كوكب الارض يدور حول محوره بسرعة محددة وهذه المدارات الكوكبية هي بيضاوية الشكل كما استطاع كوبرنكوس ان يحسب بدقة تغير محور دوران الارض في اتجاه الشمس والذي معه يحدث الربيع والفصول السنوية الاخري. خشي كوبرنكوس من اذاعة نتائج اعماله وابحاثه من اعتراض الكنيسة ورجال الدين واتهامه بالهرطقة ولكن شجعه الاصدقاء علي اعلان نظريته بشاءن دوران الارض حول الشمس. وكالمعتاد وصفت الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كوبرنكوس بالمجنون وانه ضد الانجيل المقدس وهو مهرطق ويقدم بدعة جديدة ولقي مقاومة شديدة من رجال الدين الذين تصوروا انهم وحدهم اصحاب الحق في اعلان العلوم والمعرفة حسب اعتقادهم وفهمهم.
 
وهكذا كان الصراع بين العلم والدين منذ البداية حيث يتصدي رجال الدين علي مر العصور وكما تقول الروايات المختلفة بقسوة وشدة وشراسة لكل تطور علمي ومعرفة جديدة وثورات التنويرلانه يسلبهم جزء من القوة والسلطة والسيطرة والمكانة المرموقة والثروة التي كونوها من عملهم. وسبب اخرهو ان اي تقدم علمي يسبب القلق للعامة في البداية ولكن مع الوقت يصبح جزء لايتجزاء من الحياة اليومية، علي سبيل المثال، من يريد اليوم ان يستغني عن تيلفونه الموبيل ولو لعدة ساعات او ايام؟