حازم منير
سيودع المصريون العام الحالى بمشاعر باردة للغاية، وبتضرع إلى السميع العليم أن يُخرجنا بخير من تداعيات أحداثه، التى تصر على أن تصحبنا ونحن نستقبل العام الجديد، وظنى أننا سنودع العام 2020 بـ«القلل» غير نادمين على انتهائه بقدر ما نحن ناقمون عليه، بعد أن فرض علينا واقعاً حزيناً مؤلماً، وأجواء حزن وغضب، ومشاعر تعصب وكراهية عايشناها فى العديد من اللحظات والمناسبات، ومظاهر انفلات أخلاقى غير مسبوقة، لم نشهد لها مثيلاً فى حياتنا اليومية، وهو بحق عام الفيروسات والميكروبات، وقُل ما شئت من توصيفات.

العام المنتهى ضرب المصريين بعنف، وخلاله ظهر فيروس كورونا الذى هو بالتأكيد الأشهر عند المصريين، ولم لا وقد عانى منه الناس الأمرّين، ولم تسلم منه عائلة ولا قرية فى مصر نجت من هذا الفيروس الملعون، ولكل منا ذكريات مؤلمة حزينة مع مسيرة هذا الفيروس الذى اجتاح الأخضر واليابس فقضى على الآلاف وضرب الصناعة والتجارة وكل أشكال النشاط الاقتصادى بعنف، وأوقع الضرر بمصالح الناس وأرزاقهم، وأصاب الناس بالحزن والكآبة من جرّاء ما تسبَّب فيه، وألزم الناس منازلهم، وحاصر حياتهم، وفرض عليهم إجراءات احترازية وقرارات استثنائية، وغيَّر مسار الأحداث فتسبّب فى تعطيل مسيرة البشرية، وأثار الشكوك بين الناس عن حقيقة الفيروس وأصله، وتبادلت الأمم الاتهامات، وأنفقت المليارات بحثاً عن الدواء، وانشغلت الحكومات بمحاصرة تداعياته ونتائجه، بدلاً من توجيه الاهتمام لمواصلة مسيرات التنمية والبناء، وانتهى العام ولكن لم يزُل الفيروس من حياتنا، وأصر أن يصطحبنا فى العام الجديد بروح أكثر شراسة وأكثر ألماً فى النفوس، وبعد أن بدأنا نشعر بالتحرر من أسر هذا الفيروس، فوجئنا بإصراره على الاستمرار، لتستمر مشاعر الفزع والخوف فى نفوس الناس، وبدلاً من الفرح بانتهاء عام الكآبة والفيروسات، كُتب علينا أن نتواصل معه فى مطلع العام الجديد.

لم يرأف العالم بحالنا ونحن نعانى مأساة وباء الكورونا، فأصابنا بفيروس لا يقل خطورة، فيروس كانت جذوره كامنة فى المجتمع، تنتظر مَن يطلقها من محبسها، لتعيث فى الأرض فساداً وقُبحاً، وتزرع الفتنة فى النفوس، والغباء فى العقول، وتنشر الكراهية بين الناس، فيروس التعصب الكروى، الذى وجد ضالته فى عقل مَن تصور نفسه أعلى من الجميع، فاستباح عرض أُمة، ولم يسلم أحد من لسانه، فانفجر يسب الجميع، وينشر الفتنة بين المصريين، ويزرع الكراهية بينهم، فى مناخ من التعبئة والتحريض، وبدعاوى كاذبة، وبادعاء حقوق غير مستحقة، فانفجرت موجة تعصب عاتية فى الأوساط الرياضية، على اختلاف تنوعاتها ومستوياتها، وأصبحت لغة الانحطاط هى السيد السائد، وتحولت صفحات التواصل الاجتماعى إلى ساحة للتراشق والسب والقذف والسخرية والاستهزاء بالغير، ومعقل للبذاءات والسفالات، واستغل البعض ميكروفونات الفضائيات، فاستباح المتعصبون المتطرفون الأمة لينشروا بذاءاتهم، ويبثوا العنف والكراهية بين المتنافسين الذين تحولوا إلى متخاصمين، وبين ليلة وضحاها وجدنا الأمة على فوهة بركان بسبب تفشى فيروس التعصب الذى صال وجال لأشهر عديدة، وكادت أن تمتد آثاره وتداعياته إلى المجتمع الذى راقب ما يحدث، وبدأ فى التفاعل مع هذه الحملات، وتأثر بها، وتحول جزء من المجتمع إلى عنصر فاعل فى تلك الحملات، وانتشرت الشائعات والأكاذيب ومحاولات التحريض، وبدأت تختلط بالسياسة، مع تعمد البعض خلط الحابل بالنابل، ليخرج فيروس التعصب من الرياضة، مقتحماً قضايا المجتمع، لتسود روح التعصب بدلاً من التفاهم بين الناس فى مناقشة قضاياهم المختلفة، وتهب على المجتمع رياح عاتية، كنا نتابعها أحياناً فى الماضى، على فترات بعيدة، لكنها ما كانت تدوم لأكثر من أيام قليلة وتختفى، لكن فيروس التعصب الذى ضربنا فى العام المشرف على الانتهاء، كان أقوى وأخطر مما كان من قبل، بعد أن تحول من حالة إلى فيروس.

لم يرغب العام 2020 مغادرتنا قبل أن يُكمل ملحمة الفيروسات بفيروس قاتل لمروءة الرجال وممتهن لكرامة المرأة، اسمه فيروس التحرش، كنا نسمع عن حالات تحرش تحدث على فترات بعيدة «فتاة العتبة» مثلاً، أو حالات اغتصاب «فتاة المعادى»، يواجهها القانون والمجتمع بكل حزم، وغير ذلك مما لا مجال لسرده تفصيلياً، كانت الإرادة القانونية والشعبية كفيلة بالمواجهة والحسم مع تلك الظواهر التى انسحبت قليلاً قبل أن تطل علينا برأسها مجدداً فى صورة غير مسبوقة فى العام الموشك على الانصراف، وتحولت فعلاً من مظهر اجتماعى وأخلاقى إلى فيروس أو قُل إلى وباء يتفشى وينتشر داخل المجتمع، وبين كل المستويات الاجتماعية، لا فارق بين قادر وغير قادر، بين غنى وفقير، بين متعلم وجاهل. وبات التحرش، دون مبالغة، جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية بصورة أزعجت المجتمع، بعد أحداث صادمة لمشاهد يشارك فيها عشرات الشباب بالتحرش بفتاة فى الطريق العام، أحياناً يتدخل المارة لإنقاذها، وأحياناً أخرى يُتجاهل الأمر وتُترك الضحية فريسة للذئاب المريضة، صحيح أن السلطات المختصة تحركت بسرعة وصرامة فى مواجهة أحداث مأساوية وجرائم لمحاسبة مرتكبيها، لكن ذلك وحده لم يفلح فى محاصرة الظاهرة، وتهيئة مناخ كفيل بكبح جماحها، وإثارة المخاوف فى نفوس هذه الذئاب المريضة قبل ارتكابها لجرائمها، أو لتنبيه المجتمع لخطورة ما يحدث لاستثارة كل المشاعر وتوظيف كل أدوات المجتمع وإمكاناته فى مواجهة فيروس أو وباء التحرش.

عام الفيروسات شكراً جزيلاً، وكفى بالله وكيلاً، وظنى أن ما عايشناه وما استخلصناه من نتائج كفيل باستشعار عام أفضل مما سبق.
نقلا عن الوطن