الأنبا إرميا
أيام قليلات وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بـ«عيد السيدة العذراء» الموافق «الثانى والعشرين من أغسطس». وحين يُذكر اسم «السيدة العذراء»، وبالأخص بـ«مِصر»، تتدفق مشاعر التبجيل والاحترام والتكريم بقلوب المِصريين جميعًا لمحبتهم الغامرة التي يكنونها لها.

وتبدأ قصة «عيد السيدة العذراء» عند الآباء الرسل تلاميذ السيد المسيح، بعد نياحتها «الحادى والعشرين من طوبة» (30/1)، إذ لم يكُن «توما الرسول» يومئذ حاضرًا بينهم، لٰكنه في عودته من «الهند» شاهد الملائكة حاملين جسد «السيدة العذراء» إلى السماء؛ فبعد رجوعه سأل بقية الرسل عنها فأخبروه بنياحتها، فطلب أن يُروه قبرها؛ فلما ذهبوا لم يجدوا جسدها المبارك! فقص عليهم ما رآه. فما كان من الرسل إلا أن قدموا صومًا لله، بدأ «الأول من مسرى» (7/8)، من أجل أن يسمح لهم برؤية ذٰلك المشهد المهيب ويتباركوا من جسدها، وظلوا صائمين إلى أن حقق الله رغبتهم «السادس عشَر من مسرى» (22/8)؛ فبات عيدًا «للسيدة العذراء».

وحياة «السيدة العذراء» لم تكُن سهلة، بل امتلأت بصعاب وضيقات: ففى سن الثالثة تركت أسرتها لتخدم في الهيكل، وحين أكملت الثانية عشرة تركته لتذهب مع الشيخ الوقور «يوسف النجار» الذي اختارته السماء ليعتنى بها، ثم ولدت طفلها في مذود للبقر! ثم بدأت حرب «هـيرودُس الملك» على ابنها خوفا على ملكه؛ فهربت إلى «مِصر» في رحلة شاقة ممتلئة بالأخطار والأتعاب. أما أشد الضيقات التي كانت سيفًا يجوز في أعماقها، فكانت رؤيتها ابنهـا الوحيد وهو يتعرض لأشد الإهانات والآلامات على «الصليب» ويموت. بل لم تتوقف قساوة «اليهود» حتى بعد نياحتها!! فقد حاول أحدهم التعدى على نعشها!! فانفصلت ذراعاه عن جسده!!! وبصلوات الآباء الرسل عادتا سليمتين بعد أن ندِم الرجل بدُموع.

وفى قراءة لأيقونة «السيدة العذراء»: نجد «العذراء» مرسومةً عن يمين الطفل يسوع مثلما ذكر «داوود النبى»: «جَلَسَتِ الْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ»، وتُرسم هالة نورانية حول رأسها رمزًا إلى طهارتها وقداستها، مختلفةً عن هالة ابنها التي تمتد إلى كتفيه، وتُرسم ثلاث نَجمات كبيرة: واحدة على رأسها واثنتان على كتفيها رمزًا إلى دوام بتوليتها فهى العذارء التي ولدت من دون رجل، والظالّة عذراء بعد ولادتها، بمعجزة لم تتكرر قط ولن تحدث أبدًا بالتاريخ البشرى، والتى تنبأ عنها «إشَعَياء النبى»: «يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ».

وبالأيقونة، يجب أن يُرسم «الكاروبيم» (ملائكة) حولها لأن قوة الله تظللها فهى من بشرها الملاك: «لاَ تَخَافِى يَا مَرْيَمُ لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ»، وقيل بـ«القرآن»: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾. و«الكاروبيم» بالأيقونة يحملون الصليب وأدوات الصلب إشارةً إلى أن مجىء هٰذا الطفل إلى العالم لأجل الفداء. أمّا ثيابها فهى زرقاء وبها نُجوم كثيرة إذ دُعيَت «السماء الثانية»، والنجوم الكثيرة على ثيابها تشير أيضًا إلى تعدد فضائلها؛ أمّا ثوبها الأحمر فهو رمز إلى الألم الذي عانته، والثوب الأبيض لنقائها فهى من قال فيها «سليمان الملك»: «بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا».

وبالأيقونة: يداها تشيران إلى «السيد المسيح» لتوجه أنظار البشر وأفهامهم إلى شخصه القدوس، ورأسها يميل بأذنها في اتضاع شديد إلى جانب فم السيد المسيح، وعيناها واسعتان دائمًا إشارةً إلى تأملها الدائم في كلام الله وأعماله معها، إذ قيل: «وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِى قَلْبِهَا».

كل عام وجميعكم بخير. ونتضرع إلى الله أن يرفع عن العالم الوباء، ويحفظ «مِصر» في سلام وخير، بشفاعات «السيدة العذراء» التي شرفت «مِصر» وباركتها ووطئت أقدام «العائلة المقدسة» أرضها، وعاشت فيها قرابة ثلاث سنوات ونصف السنة. و... وفى «مِصر الحلوة» الحديث لا ينتهى!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى
نقلا عن المصرى اليوم