بقلم: زهير دعيم 
كانت المعلّمة هديل تحكي لأطفال صفّ البستان، قصة الذئب الرمادي المكّار، عندما انفجر معظم طلاب الصف ضاحكين ، وأخذوا يتغامزون على جميل الذي اندمج مع القصة ، ووضع اصبعه الصغيرة في فمه كعادته وأخذ يمُصّها بهدوء .
 
  بكى جميل بحرارة،  في حين أخذت المعلّمة تمسح دموعه الحارّة عن خدّيه وهي تقول : جميل طفل رائع يا أحبائي، ونُحبُّه جميعنا ، وقريبًا سنحتفل  بعيد ميلاده .
 
  ولكنّ جميل لم يهدأ هذه المرّة بعكس المرّات السّابقة ، وظلَّ يبكي طوال الوقت الى أن عاد الى بيته .
 
انّ هذه ليست المرّة الاولى التي يضع فيها جميل اصبعه في فمه ، فهو يضعها كلَّ يوم ، وفي كلّ يوم يضحك الطلاب عليه، وفي كلّ مرّة كانت المعلّمة تلوم الاطفال وتُوبخّهم بلُطف ، وكثيرًا ما حكت لهم عن مَضارّ هذه العادة ، فهي تمنع النموّ الطبيعي للأسنان، وتجعلنا نُدخل القاذورات والجراثيم الى أفواهنا.
 
  وكلّ يوم كان جميل يقتنع بما تقول المعلّمة، ويعدها بأنّه لن يعود الى هذه العادة ثانية. ولكن ما أن تبدأ المعلمة بسرد قصّتها الجديدة في اليوم التالي ، حتّى ينسى جميل وعده ويروح يضع اصبعه في فمه .
 
  جاء اليوم التالي،  وحضر جميع  اطفال صفّ البستان ما عدا جميل، فتضايقت المعلمة وسألت  : "من رأى منكم بالأمس جميلاً بعد الدوام المدرسيّ ؟  
فرفع وسيم اصبعه وقال : "أنا يا معلمتي رأيته ، وقد اخبرني أنه لم يعد يُحبّ المدرسة .
 
  فسألته المعلّمة : هل تحبّ يا وسيم أنْ يضحك عليك الطلاب ؟ 
 
   فهزَّ وسيم رأسه وكأنه يقول لا .
 
 فقالت المعلمة : كلّنا كذلك ، كلّنا لا نُحبّ أن يهزأ الناس بنا، ولذلك علينا أن لا نسخر من أحد .
 
فردّ الأطفال بصوت واحد قائلين : "نعم يجب أن لا نسخر من أحد من الناس  "
 
 اذن يا أحبائي قالت المعلمة : ما رأيكم اذا حضر جميل غدًا ، وأثناء سرد القصة ، وبعد اشارة منّي ، يقوم كلّ طالب بوضع اصبعه في فمه .
  هيه هيه  فكرة حلوة قال الاطفال ...
 
اذًن اتفقنا قالت المعلمة،  وابتسم الاطفال ابتسامة الرِّضا والترقّب،  بل واخذوا يتمرّنون عليها
.
 وما هي الا لحظات،  حتى حضر جميل مع أمّه .
 
  اعتذرت امّ جميل للمعلمة بسبب تأخير ابنها وأضافت : "لا أعرف يا معلّمة هديل لماذا أشعرني جميل في هذا الصباح بأنّه لم يعُد يُحبُّ المدرسة كما كانرغم أنّي أرى أنّ الصّفّ جميل ومُرتّب والطلاب في مُنتهى الأدب والأخلاق ؟
   رحّبت المعلمة بجميل وامّه ،  ووعدتها بأنها ستهتمّ بابنها وستجعله يعود الى حُبّه للمدرسة قريبًا. 
  فتحت المعلمة قصة جديدة وكانت بعنوان " الدّجاجة والصّوص العنيد " وبدأت تسردها بصوتها الهادئ الحنون ، وبعد لحظات هزّت المعلمة برأسها ثلاث هزّات 
فوضع جميع الأطفال أصابعهم في أفواههم ، وسط دهشة جميل وتعجّبه،  ثمّ ما لبث أن انفجر ضاحكًا وقال : " انظري يا معلمتي ، كلّهم يضعون أصابعهم في أفواههم ،  أمّا أنا فلا !!
  فردّت المعلمة ضاحكة ،  بالأمس ضحكوا عليك يا جميل،  واليوم جاء دوركَ لتضحك أنت ...وغدًا سنضحك جميعنا حين نُصغي الى القصّة بعيدًا عن هذه العادة السيئة ....أليسَ كذلك؟ 
  فردّ جميل قائلاً نعم ..غدًا سنفتح صفحةً جديدة ، وردّد الأطفال خلفه: غدًا يومٌ جديد ...غدًا يومٌ جديد