في مثل هذا اليوم 15 فبراير 399قبل الميلاد ..
سقراط (Socrates) فيلسوف وحكيم يوناني (470 ق.م - 399 ق.م) فيلسوف يوناني كلاسيكي. يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة الغربية، لم يترك سقراط كتابات، وجل ما نعرفه عنه مستقى من خلال روايات تلامذته عنه. ومن بين ما تبقى لنا من العصور القديمة، تعتبر حوارات "أفلاطون" من أكثر الروايات شموليةً وإلمامًا بشخصية "سقراط". بحسب وصف شخصية "سقراط" كما ورد في حوارات "أفلاطون"، فقد أصبح "سقراط" مشهورًا بإسهاماته في مجال علم الأخلاق. وإليه تنسب مفاهيم السخرية السقراطية والمنهج السقراطي (أو المعروف باسم Elenchus) . ولا يزال المنهج الأخير مستخدمًا في مجال واسع من النقاشات كما أنه نوع من البيداغوجيا (علم التربية) التي بحسبها تطرح مجموعة من الأسئلة ليس بهدف الحصول على إجابات فردية فحسب، وإنما كوسيلة لتشجيع الفهم العميق للموضوع المطروح. إن "سقراط" الذي وصفه أفلاطون هو من قام بإسهامات مهمة وخالدة لمجالات المعرفة والمنطق وقد ظل تأثير أفكاره وأسلوبه قويًا حيث صارت أساسًا للكثير من أعمال الفلسفة الغربية التي جاءت بعد ذلك.

وبكلمات أحد المعلقين المعاصرين، فإن أفلاطون المثالي قدم "مثلًا أعلى، جهبذًا في الفلسفة. قديسًا، نبيًا "للشمس-الإله"، ومدرسًا أُدين بالهرطقة بسبب تعالميه". ومع ذلك، فإن "سقراط" الحقيقي مثله مثل العديد من قدامى الفلاسفة، يظل في أفضل الظروف لغزًا وفي أسوأها شخصية غير معروفة.

تشير محاكمة سقراط إلى المحاكمة والتنفيذ الذي لحق بالفيلسوف الأثيني سقراط عام 399 ق م. فقد تمت محاكمته وإدانته من قبل حكومة أثينا الديمقراطية بتهمة إفساد الشباب والإلحاد.

قام اثنان من معاصري سقراط وهما أفلاطون وكسينوفون بوصف تلك المحاكمة فكانت أحد أهم المحاكمات في العصر القديم.

الأحداث السابقة للمحاكمة:
قبل تلك اللحظة بأعوام كان سقراط رجلاً معروفاً في أنحاء أثينا. فلقد كان من شخصيات مسرحية أريستوفان السحب والتي عـُرضت عام 420 قبل الميلاد فظهر في صورة مخادع مغرور ومنمق.

لم يكتب سقراط ما قاله يوماً ولكن تلميذه أفلاطون قام بالمهمة مما أنتج الحوارات السقراطية حيث يكون فيها سقراط الشخصية المحورية. استاءت شخصيات مهمة في أثينا من أسلوب سقراط في الأسئلة، يرجع السبب لدحضه سمعة الحكماء والفضلاء. فاعتبر أغلب العامة بأن سقراط قد فاز بلقب ناقد أثنيا بسبب طريقة جداله الخاصة. فكان ذاك الأسلوب يٌقلد من قبل الشباب الأثيني في كثير من الأحيان مفككا للنظام الإجتماعي والقيم المعمول بها. قاتل سقراط من أجل أثينا وشجع على طاعة القوانين ولكن على الرغم من ذلك نقد ممارسة الديمقراطية في بلاده، خاصة فيما يتعلق بالإنتخابات الجماعية ساخراً من وظيفتها في الإنتخاب في أية وظيفة. زاد النقد اللازع من الإشتباه في الديمقراطيين، خصوصاً عندما اكُتشف أن أقاربهم أعداءً للديمقراطية. فقد خان ألكيبيادس أثينا لصالح أسبرطة على الرغم من أن الأمر ما هو إلا محض إحتياج وليس أيدولوجية، في حين أن قريطياس، تلميذه السابق كان واحداً من قادة الطغاة الثلاثون والذين حكموا أثينا لعددة شهور بعد هزيمتها في الحرب البيلوبونيسية، على الرغم أيضاً من وجود وثائق تثبت عدائيته.

بالإضافة إلى ذلك، كان لدى سقراط نظرة خاصة فيما يتعلق بالدين. أشار عدة مرات إلى شيطانه الخاص، في حين أكد على عدم قدرته في فرض شيئاً عليه بل تحذيره لعددة وقائع محتملة. شكك معاصريه في ذلك الشيطان واعتبروه رفض تام للدين السائد في الدولة. بشكل عام فإن شيطان سقراط شبيه بالحدس. أضف على ذلك أن سقراط اعتاد القول أن العيش بالفضائل أهم من عبادة اللآلهة.

المحاكمة:
يعد الإتهام الرسمي هو أول عناصر المحاكمة. فكان ثلاثة رجال هم من اتهموا سقراط وهم:

أنيتو، ابن الأثيني البارز أنثيميون
ميليتو، شاعر وهو من قدم الشكوى للحاكم
ليقون، ممثل عن المتحدثين. نعرف عنه القليل، كان يوافق سقراط الأفلاطوني.

يـٌفترض به المكان الذي سجن فيه سقراط، ويقع فى إحدى التجويفات لتل بينكس
وبعد أن اقتنع الحاكم بالقضية المطروحة أمامه، أمر سقراط بالمثول أمام اللجنة العليا في أثينا والتي تكونت من مواطني البلد المذكور بهدف الدفاع عن نفسه ضد التهم المنسوبة إليه من إفساد الشباب والهرطقة.

تم إختيار هؤلاء المواطنين عن طريق القرعة من بين الرجال المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وممن حملوا الجنسية الأثينية، حيث لم يحملها كلاً من النساء والعبيد والمقمين الأجانب. على عكس أي محاكمة أجريت في العديد من المجتمعات الحديثة، وكانت معظم الأحكام كالقوانين وليس كاستثناء. (انظر مسرحية الزنابير للكاتب أريستوفانيس)

واجه سقراط محكمة مكونة من 500 مواطن أثيني حيث يستدل من كثرة العدد أهمية تلك المحتكمة وقتئذ. وبعد أن قدم كلاً من المدعي عليه وسقراط ما لديهم ، حكم القاضي بإدانة سقراط ب280 صوتٍ مقابل 220 فقط.

نتيجة المفاجأة اقترح سقراط والنائب العاام أحكاماً بديلة. اقترح مازحاً عقوبة تتكون من أكل مجاني في البيراتانيون (كان هذا الشرف خاص برعاة المدينة والفائزين بالألعاب الأولمبية)، ثم يقوم بدفع 10 دراخم وهو ما كان يساوى خمس ثروته وأيضاً دليلاً على فقره المدقع. ولكن أخيراً اقترح أفلاطون و كريتون وكريتوبولوس وأبولودور على أن يدفع سقراط ثلاثة الالاف درخم حيث ضمنوه. في حين أن مهاجمه اقترح عقوبة الموت.

نقل أفلاطون في كتاباته أن جاء التصويت في صالح عقوبة الموت 360 صوتاً مقابل 140، حيث خسر سقراط تعاطف المواطنين معه بسبب نبرته الساخرة وعدم طلبه العفو.

نصحه طلابه بالهروب، حيث كان من المتوقع وكان يمكن أن يكون مقبولاً، لكن رفض سقراط من البداية بسبب فلسفته في اتباع القوانين، مما أدى إلى قتله بسائل الشوكران الأبقع. هكذا تحول سقراط إلى شهداء العلم عن عمر يناهز 70.

محاكمة سقراط على لسان معاصريه:
في أول ثلاثية أفلاطون (يوثيفرو، دفاع سقراط، كريتو، فايدو) ركز على محنة معلمه، المحاكمة وتنفيذ الحكم. كتب زينوفون أيضاً اعتذار سقراط.

تفسيرات المحاكمة:
تفسير العالم القديم:

لم تشغل المحاكمة بال مواطني أثينا كما شغلت لاحقاً في وقتنا الحالي. فلقد كانت أثينا تعاني من وقت عصيب قامت مجموعة من الموالين لإسبرطة أطلق عليهم اسم الطغاة الثلاثون بإلغاء الديمقراطية بغرض فرض سيطرة الأقلية على الحكم. لم يفهم الشعب حقيقة كون كريتياس زعيم الطغاة من تلامذة سقراط لم تكن إلا صدفة بحتة. حول أصدقائه الاعتذار ولكن بالتأكيد تمثلت نظرة شعب أثينا فيما قاله الخطيب إيسخينيس بعد عدة أعوام في محاضرة:

تفسير العالم الجديد:
ألهم موت الفيلسوف سقراط، والذي نفله تلميذه أفلاطون، العديد من الكتاب والفنانين والفلاسفة. بالنسبة للبعض فقد أظهرت محاكمة سقراط والتي أطلق عليها أفلاطون "محاكمة لأكثر حكمة وعدلاً بين الناس أجمع" مدى انعدام الثقة في الحكومة الديمقراطية. للبعض الآخر مثل إيزيدور فينشتاين ستون جاء في كتابه محاكمة سقراط بأن تصرف مواطني أثينا كان دفاعاً مبرراً عن ديمقراطيته والتي جاءت فيما بعد.

بشكل عام اسُتشهد سقراط من أجل معتقداته الثقافية حيث اعتبره الناس مثالاً للحكمة والخير، كما كان يصوره أفلاطون وزينوفون. لذلك فإنه ليس غريباً وجود أسطورة سقراط ومحاكمته بعيدة كل البعد عن الشخصية التاريخية الصحيحة ذا النظرة السياسية التي لم نعرفها حتى الآن.!!