الأقباط متحدون - كل عام وحضراتكم بخير
أخر تحديث ٠٧:١٠ | الجمعة ٣ مايو ٢٠١٣ | ٢٥ برمودة ١٧٢٩ ش | العدد ٣١١٥ السنة الثامنة
إغلاق تصغير

كل عام وحضراتكم بخير

محمد حسين يونس

خلال الأيام القادمة سيحتفل المصريون بعيد (شمو ) آى الربيع بالهيروغليفي و المسيحيون منهم بأعياد القيامة المجيدة أما اليهود فبعيد الفصح.

وعلي الرغم من أن عيد الفصح هو عيد ذكرى خروج اليهود من مصر و ما يحمله من رموز قد تكون مجحفة بحق أجدادي من الفراعنة العظام  الا أنني أعتبرة عيدا  ذو نكهه مصرية يحتفل به فئة معينة منا(اى من المصريين) لهم طقوسهم وقناعاتهم التي قدمتها السيدة لوسيت لنيادو من خلال كتابها ((الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين)) وفصل ((في انتظار إيليا )).

((في الأسابيع التي تسبق احتفالات عيد الفصح يحرم تناول الخبز ،لذلك فقد قامت امي باحياء طقس عمره مئات السنين فطلبت مني أن أساعدها في تنقية الأرز والذى يتحتم أن تكون كل حباته نقية خالية من اى شائبة.

 كانت أمي علي وشك القيام بعملية التنظيف المعتادة بمناسبة إنقضاء الشتاء و التى تسمي تنظيف الربيع والتي تشمل مسح وكشط كل ركن من أركان المنزل بحيث يعتبر ترك أصغر قطعة من الخبز سهوا جريمة لا تغتفر ناهيك عن إستثارة غضب والدى  ،تبعتها كمساعدة صغيرة أجهز لها دلاء مليئة بالماء والصابون تحتاجها لمسح الحوائط وزجاج النوافذ  وكنت أمسك قطعة من القماش فأفرك وأفرك وأفرك بكل حماس و إنغماس لم يسبق لي ابدا أن أظهرته تجاه الأعمال المنزلية .. لقد تركت لشأني فكنت أنام متأخرة وأتسكع في المنزل بينما تتنقل أمي من عمل الي اخر ومن مشقة الي اخرى وكان الاستثناء الوحيد هو عيد الفصح حيث كان العمل المطلوب فوق طاقتها  ولم يضايقني أن أساهم في هذا العيد فله  لدى هدف أسمي

أخرجت أمي الطاقم الملفوف منذ العام الماضي من أطباق البروسلين وأكواب الصيني وأخرى صغيرة للخمر المعتقة وطاقم أدوات فضة وكان عمر معظم هذه الاشياء يزيد عن قرن تقريبا حيث تعاملت معها أمي وكأنها اثار مقدسة وكان بينها ملعقة ظريفه ذهبية لها وظيفة منفردة وهي تذوق المربي الداكنة الاحمرار المصنوعة من البلح والزبيب والتي تمثل القلب النابض لوليمة عيد الفصح .

 وعلي الرغم من توفيقي في مساعدة أمي في تنظيف القطع الفضية إلا أن خدماتي كانت مطلوبة بشدة لتنقية الارز و كان من الضرورى تنقية حوالي 20 كيلو قبل العيد  انه الأمر الذى لم نتخل عنه ابدا من بين كل الأمور والمقدسات التي نتمسك بها

 يصل الاستعداد لعيد الفصح الي ذروته بعملية تفتيش ليلية علي أضواء الشموع يقوم بها والدى ففي وقت متأخر من ليلة العيد يطوف وهو يرتدى بيجامته ويحمل شمعة طويلة بيضاء في يد وكتاب الصلوات في اليد الاخرى وبينما يتنقل من غرفة الي أخرى ومن ركن لاخر كنت أنا وأمي نسير خلفه بترقب حابسين أنفاسنا وهو يتطلع داخل دواليب الملابس ويفتح أبواب خزانات المطبخ ويفتش الادراج في غرف النوم وينحني ليتفحص أرضية المنزل بحثا عن فتافيت من الخبز وكان منظره أشبه بالمخبرين في أفلام الأربعينات 

كان أبي شديد الدقة في بحثه  وبينما كان جزء مني يستجيب للجانب المسرحي من هذا البحث عن الاشباح  الا انني تيقنت أن أبي يأخذ الامر علي محمل الجد لاقصي درجة فلقد كان مستبدا شديد العناد عندما يتعلق الامر بالقواعد الدينية التي لا يمكن التصرف فيها أو عصيانها

كانت أمي تحتفظ بجانب من المال لعدة شهور بحيث يصبح  في مقدورى الحصول علي ملابس جديدة أرتديها في العيد فهذا العيد يعتبر بمثابة بعث جديد يتحتم خلاله اخلاء الخزانات من الملابس ونزع كل شيء من علي الارفف و التخلص من الاطعمة القديمة  لهذا كان من المستحيل تصور عدم حصولي علي ملابس جديدة براقة

في ليلة عيد افصح شعرت بأن الوقت قد حان لظهور النبي ايليا فبالإضافة الي تنقية الارز وتنظيف المنزل علي ضوء الشموع وشراء الثوب الوردى ومساعدة أمي في المهام المنزلية إشتريت كأس نبيذ معدني للنبي ايليا.

 في ليلتي السيدر يجب ترك كأس نبيذ فوق الطاولة خصيصا للنبي  ولم يكن مسموحا لاى شخص أن يشرب منها أو يلمسها  كان ذلك تعبيرا عن الترحيب الخالص حتي اذا ما قرر ايليا التوقف للزيارة فسوف يجد له مكانا علي المائدة 

 كان الكأس رمزا من عشرات الرموز التوراتية التي يزخر بها العيد إحياء لذكرى الخروج من مصر بدءا من حمل حاجاتنا علي أكتافنا وأكل خبز غير مختمر كما يتضمن الاحتفال أن نقوم بتمثيل كل كارثة من الكوارث العشر، الماء ينقلب لدم ،الضفادع ،البعوض ،الذباب ،موت المواشي، القروح، البرد ،الجراد ،الظلام، موت كل بكر وانتهاء بتمثيل عبور البحر الاحمر للوصول الي أرض الميعاد ))

لوسيت كانت مشغولة تماما بايليا لانه الوحيد من بين البشر الذى منع الله عنه الموت و منُ عليه بالابدية و هو يتنقل من مدينة الي اخرى يقوم بسلسلة من اعمال الخير و المعجزات حتي أن امها قالت لها بالفرنسية كفي  فلم تكن تشعر بالتعاطف مع استعدادت ابنتها المحمومة لاستقبال الضيف المرتقب .
(( في ليلة السيدرساعدت امي في إعداد المائدة باستخدام الطقم الفضي وتأكدت بأن لكل منا معلقته وصببت النبيذ في الكأس بنفسي و عندما جاء والدى من المعبد إتجه مباشرة الي حجرة الطعام كان يريد أن يتأكد من وجود كافة مستلزمات شعائر العشاء المقدس بيضة مسلوقة تمثل دورة الحياة وسلطانية ماء مالح لتذكرنا بالدموع التي ذرفناها في مصر وسلطانية مربي حمراء مثل الطين الذى استخدمناه كعبيد بناء كما تأكد أن كأس اليا مملوءة لنهايتها بنبيذ احمر
 وأخيرا وبعد أن تأكد أن كل شيء علي ما يجب بدأ يؤم شعائر الاحتفال جلست الي جواره كعادتي أشاركه الصلاة محاولة اللحاق به حين يقرأ بإيقاع سريع
 في المساء سألنا أنفسنا لماذا تختلف هذه الليلة عن باقي الليالي التي لم يتقوقع فيها أبي داخل محارته وراح يغني بكل حيوية واستمتاع  وكانت اللحظة المفضلة لدى عندما أمسك بالمعلقة الفضية وراح يطرق علي كأس النبيذ لضبط إيقاع الانشودة

في منتصف الليل تسللت الي رواق المدخل محدقة في عتمة ابريل كنت أتمني أن أقتنص نظرة الي اليا وهو يتجول يزور المؤمنين وكنت أود أن أكون أول المرحبين به فهو ملاك الحظ الطيب الذى يحقق الأمنيات وكنت مستعدة لقدومه بقائمة طويلة من الامنيات ولكنه حتي الثانية صباحا لم يحضر
في الصباح  أسرعت الي غرفة الطعام لاعاين الكأس فوجدته كما تركته فايليا لم يلمس كأسه ولم يزرنا ))

ما حدث في منزل لوسيت كان يحدث في منزل مارى او فاطمة ..كلهن مصريات تشقي الست قبل واثناء وبعد الاحتفال و لا تنال الا القليل لذلك (( كل سنة وأمهات مصر بدرجة معاناة أقل واستمتاع افضل)). ..   
 


More Delicious Digg Email This
Facebook Google My Space Twitter