الأقباط متحدون - ما عندناش كتب خيالية
أخر تحديث ١٩:٢٢ | الخميس ٢٧ مارس ٢٠١٤ | برمهات ١٧٣٠ ش ١٨ | العدد ٣١٤١ السنة التاسعه
إغلاق تصغير حمل تطبيق الأقباط متحدون علي أندرويد
شريط الأخبار

ما عندناش كتب خيالية

فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت

ذهب رجلٌ إلى مكتبة يبحث عن كتاب. قرّاءٌ هنا وهناك جالسون إلى طاولات القراءة منكبّون على كتبهم، وسيماءُ الجِدّ مرتسمةٌ على وجوههم. لوحة معلّقة على الحائط: «ممنوع الكلام». تجوّل الرجلُ فى هدوء وراح يتصفح عناوين الكتب فوق رفوف المكتبة بحثاً عن كتابه. عناوينُ كثيرةٌ وحاسمة: «الصراع»، «أستاذية العالم»، «الثأر»، «القتال»، «الكافرون»، «أهل النار»، «الغزوات»، «الجهاد»، «البغض فى الله»، «الجزية»، «الحرابة»، «النكاح»، «الشمولية»، «الجحيم والسعير»، «الزلزلة»، «الثعبان الأقرع». وبعدما أعياه البحثُ عن كتابه المنشود، مضى إلى أمين المكتبة الجالس فى الركن البعيد الهادئ، وسأله: «من فضلك، أبحثُ عن كتاب (قبول الآخر عند العرب)» نظر إليه صاحبُ المكتبة نظرة اندهاش وريبة، ثم قال فى سخرية واضحة: «ما عندناش الكتب الخيالية دى يا حضرة المحترم!!».

جاء هذا السيناريو فى لوحة كاريكاتير رسمها الفنان ميلاد ثابت، ونشرها على «فيس بوك». وبقدر ما يحمل الكاريكاتير من مرارة، حتى إن امتزجت بابتسامة مارقة تمسح الوجهَ برهةً، قبل أن تحلَّ غيمةٌ أبديةٌ من الحزن العميق والإطراق بالرأس، لتدخل فى دوامة التأمل، تحملُ من واقعية علينا ألا نمررها دون تدبّر. بل وجب التوقف لمحاسبة النفس.

هل بالفعل تُعدُّ قيمة «قبول الآخر» لدينا من أدبيات الفولكلور التى نتغنّى بها فى مقالاتنا وفى أغانينا وعلى الشاشات، لمجرد الاستهلاك و«الشو» والمزايدة والتباهى، بينما لا نمارسها فى حياتنا؟ هل هى بالفعل ضربٌ من الخيال مثل قصص الجنيّات والغابة المسحورة مما كانت جدّاتنا يحكين لنا قبل النوم، لكى نحلُم بعالم جميل ممتاز، أنيق وعادل لن نراه فى صحونا؟

هل علّمنا آباؤنا فى طفولتنا أن مَن يُخالفنا الرأىَ أو العقيدة ليس شيطاناً بالضرورة؟ وهل علّمنا نحن هذا بدورنا لأطفالنا؟ كم واحداً منّا يؤمن بمبدأ الإمام الشافعى ويطبقه: «رأيى صوابٌ يحتملُ الخطأ، ورأى غيرى خطأٌ يحتملُ الصواب»؟

فى كل مجالسنا ومقالاتنا وحواراتنا، نطالب بالديمقراطية والليبرالية والتعددية، حتى ابتذلنا الكلمات ولاكتها الألسنُ والأفئدةُ والمقاهى وصفحاتُ الإنترنت، لكن هل نتبناها بالفعل فى حياتنا كمنهج يومى وفلسفة حياة؟ جرّب أن تقولَ رأيَك فى موضوع، أىّ رأى فى أىّ موضوع.. ستجد مَن يسبّك ويلعنك ويطعنك فى شرفك وفى عرضك ويجعل منك شيطاناً رجيماً وعميلاً مُموّلاً. وفى المقابل ستجد مَن يُطوّبك ويمجّدك ويرفعك إلى عنان السماء ويُنصّبكَ قديساً نبياً. كلاهما مخطئ، وكلاهما غير ديمقراطى وغير عادل. فلا أنت شيطانٌ ولا أنت ملاك. أنت إنسانٌ عادى رأى رأياً؛ قد يصيبُ وقد يخطئ. لكن مَن لعنوك ومن طوّبوك أخطأوا تقديرك، لأنهم لا يرونك أنتَ، وإنما يبحثون عن «أنفسهم» داخلك.

ذلك أحد أمراض العقلية «الثنائية». كن معى أو تصبح عدوى اللدود الذى يجب أن يختفى. ولا شىء بينهما! «العقلية النقدية» غائبةٌ عن المنظومة العربية؛ لهذا نتأخر، وسوف نتأخر، ولن تكفينا ألفُ ثورة. ولو جئنا برسول من السماء يحكمنا، لن نعلوَ، مادام الداءُ يسكنُ خلايانا، ولا نعرف فنَّ الاختلاف، دون خلاف ومُلاعنة ونحر رقاب وتمزيق أعراض. فعلاً، ما عندناش كتب خيالية. وأكاد أسمعُ الديمقراطية والليبرالية تضحكان قائلتين: «آدى دقنى لو فهمتونا يا ولاد... العرب!».

نقلا عن الوطن


More Delicious Digg Email This
Facebook Google My Space Twitter
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع