د. مينا ملاك عازر
طبول الحرب تقرع من جديد في الخليج، والهدنة الهشة التي استمرت لخمسة أسابيع بين واشنطن وطهران تترنح الآن على حافة الهاوية. التحركات التي جرت خلف الكواليس خلال الساعات الماضية تكشف أن الصبر الأمريكي قد نفد تماماً، وأننا قد نكون أمام مسألة أيام أو ساعات قبل العودة للمواجهة العسكرية المفتوحة.
توقيت التصعيد وقمة فرجينيا السرية
التطور الأبرز تمثل في الاجتماع العاجل والسرّي الذي عقده دونالد ترامب في نادي الغولف الخاص به في فرجينيا، فور عودته مباشرة من زيارته الحاسمة إلى بكين. الاجتماع لم يكن عادياً، بل ضم صقور الإدارة الأمريكية: نائب الرئيس جي دي فانس، وزير الخارجية ماركو روبيو، مدير الاستخبارات المركزية جون راتكليف، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
هذا التوقيت يحمل خلفه تفاصيل استراتيجية بالغة الأهمية؛ فترامب أجل حسم الملف الإيراني حتى يسمع كلمة بكين. وبناءً على ما تسرب، يبدو أن واشنطن حصلت على ضوء أخضر أو على الأقل تعهد صيني بعدم التدخل لحماية طهران، مما دفع ترامب لكتابة تغريدته النارية التحذيرية: الساعة تدق وعليهم التحرك بسرعة وإلا فلن يبقى منهم شيء.
كواليس المحور الإسرائيلي والاتصال الساخن
التحركات تجاوزت التهديد الكلامي إلى الأرض؛ فقد أجرى ترامب اتصالاً مطولاً مع بنيامين نتنياهو، تبعه مباشرة طلب مفاجئ من نتنياهو لإلغاء جلسة محاكمته لأسباب سياسية وأمنية قاهرة. هذا الرابط يعكس أن هناك تنسيقاً لعملية عسكرية وشيكة، تتزامن مع استمرار التصعيد الإسرائيلي العنيف في لبنان واغتيال قيادات بارزة مثل وائل عبد الحليم في عمق بعلبك، لضمان تقليم أظافر حلفاء طهران قبل توجيه الضربة الكبرى. البنتاغون من جهته أتم وضع الخطط الجاهزة لاستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية داخل إيران.
أزمة النفط في جيب المواطن الأمريكي
السبب الحقيقي وراء هذا الاستعجال والضغط الأمريكي الشديد ليس سياسياً فقط، بل هو أزمة اقتصادية خانقة يعيشها ترامب داخلياً. استمرار إغلاق مضيق هرمز خنق الإمدادات العالمية، ومصانع التكرير الأمريكية تعمل الآن بكامل طاقتها لتغطية النقص، مما أدى لنفاذ المخزون الأمريكي واضطرار واشنطن لتصدير كميات قياسية من البنزين والديزل عبر موانئ نيويورك وصلت إلى 200 ألف برميل يومياً لتعويض النقص العالمي.
النتيجة المباشرة لهذا الوضع ظهرت اليوم فوراً مع قفزة جنونية في أسعار النفط الأمريكي ليلامس 107.5 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أسابيع. ترامب يعلم أن بقاء أسعار الوقود عند هذا المستوى المرتفع سيدمر وعوده الاقتصادية أمام الناخب الأمريكي، ولذلك هو يرى أن الخيار العسكري لفتح المضيق بالقوة أصبح أمراً لا مفر منه لإنقاذ اقتصاد بلاده.
الوساطة والتحركات الإقليمية لإنقاذ الموقف
في المقابل، تدور اتصالات دبلوماسية مكثفة ومحاولات أخيرة لإنزال الجميع من على الشجرة:
* طهران تتمسك بمواقفها وترفض تقديم تنازلات تحت التهديد، وتستعين بباكستان كوسيط حيث التقى وزير داخلية باكستان بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لمحاولة صياغة عرض مقبول، مع إصرار طهران على أن الوجود الأمريكي هو سبب الأزمة.
* على الجانب العربي، جرى اتصال وتنسيق عالي المستوى بين مصر والسعودية؛ حيث أكد البلدان على ضرورة إنجاح المسار الدبلوماسي وتجنيب المنطقة حرباً شاملة ستطال تداعياتها الملاحة والاقتصاد العالمي، مع تأكيد مصري حاسم على التضامن الكامل مع أمن الخليج ضد أي ممارسات إيرانية.
الخلاصة أن الساعات القادمة هي حاسمة بكل المقاييس؛ إما أن تقدم إيران تنازلات فورية وتعدل شروطها التفاوضية، أو أن ترامب سيجد نفسه مدفوعاً بضغط أسعار النفط المشتعلة وبتحالفه مع إسرائيل لضغط زر الحرب واستئناف العمليات العسكرية الواسعة ضد البنية التحتية الإيرانية. المنطقة كلها الآن تنتظر العرض الإيراني الأخير، والوقت فعلياً انتهى.





