(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أوّلًا: حياتُه وأعماله ومؤلَّفاته (2)
1. لمحةٌ سريعة عن السيرة الحياتيّة للأنبا كيرلس الثاني مقار
ت) تعيينه كأوّل بطريرك قبطيّ كاثوليكيّ
عندما أعاد البابا لاوُن الثالث عشر مقام البطريركيّة الإسكندريّة الكاثوليكيّة بجميع امتيازاته القديمة في عام 1895، عَيَّن قداسته الأنبا كيرلس مقار أسقفًا على مصر السفلى ومديرًا لشئون البطريركيّة؛ وكذلك أيضًا، في عام 1896، عَيَّن الأنبا مكسيموس صدفاوي أسقفًا على مصر الوسطى (على "هيرموبوليس"، ومقر كرسيه المنيا)، وعَيَّن الأنبا أغناطيوس برزي أسقفًا على مصر العليا (على "طيبة"، ومقر كرسيه طهطا). وأمّا في 19 يونيو/حزيران 1899، فقد أعلن البابا لاوُن الثالث عشر الأنبا كيرلس مقار بطريركًا على الكرسي الإسكندريّ، وكان عمره يناهز 32 عامًا؛ وتَمَّ تجليسه بالإسكندرية في الكاتدرائية الجديدة في 31 يوليو/تموز 1899.
وبدأ البطريرك الجديد في مباشرة خدمته ونشاطه الكبير لارتقاء شأن الطائفة. وقد كانت خدمة جليلة حقًّا، حيث تخلّلها العديد من النجاحات والإصلاحات الإداريّة والرعويّة والروحيّة والتعليميّة، ولكنّها لم تخلُ بالطبع من الصعوبات والمشاكل والإشاعات. ومن بين إصلاحاته وإنجازاته، نذكر ما يلي:
+ قام بتصحيح تقويم الكنيسة الإسكندريّة، بناءً على مستندات علميّة متينة الأركان، وجعله موافقًا للإصلاح الغريغوريّ؛
+ وعلاوة على محاضراته العلميّة –باللّغة الفرنسيّة– حول تاريخ "السيزاريوم" ("الهيكل القيصريّ")، الذي تحوّل إلى معبد مسيحيّ في عهد الملك قسطنطين، وأصبح مقرًا لبطاركة الإسكندرية فيما بعد، ألقى محاضرة تاريخيّة عن «رسالة القديس مرقس في الديار المصرية»؛
+ واشترى مطبعة وحروفًا قبطيّة وعربيّة، حيث طبع كتاب القداسات، والأناجيل الأربعة بالقبطيّ والعربيّ، وكتاب أسبوع الآلام، ودليل لأسبوع الآلام، ودليل للرسائل والأناجيل التي تُقرأ على مدار السنة، وكتاب خدمة الأسرار، وقطمارس الرسائل بالعربيّ، وغيرها من الكُتب المقدّسة؛
+ وأسّس صحيفة طائفيّة دعاها "الأسد المرقسيّ"، بالإضافة إلى جمعيّات مختلفة تعليميّة وخيريّة وكنسيّة.
ث) استقالته وانفصاله وتوبته ونفيه ونياحته
إزاء حُزْمة من الإشاعات والادّعاءات الكاذبة والمغرضة، وتجنّبًا للفوضى، استدعى الكرسي الرسوليّ الأنبا كيرلس مقار إلى روما، في عام 1908؛ وهنالك قدّم استقالته كبطريرك للأقباط الكاثوليك (30 مايو/أيار 1908) للبابا بيوس العاشر، وقد قُبلت الاستقالة. وعندما أصبح الكرسي البطريركيّ الإسكندريّ شاغرًا، عقب استقالة الأنبا كيرلس مقار، عُيِّن الأنبا مكسيموس صدفاوي مديرًا رسوليًّا للبطريركيّة، لإدارتها روحيًّا وزمنيًّا، في 13 يونيو/حزيران 1908.
ولكن، وبعد استقالته، لم تهدأ الأوضاع عند هذا الحدّ، حيث سارت ضدّ الأنبا كيرلس مقار حملة قذف عنيفة، فعمّت الفوضى في شتّى أنحاء مصر بين مناصر ومعارض، وتصاعدت حدة التوتر والفوضى والاضطرابات إلى حدّ كبير، ولا سيّما بعد عودته إلى القطر المصريّ. وقد تطوّرت وتعقّدت الأمور حتّى بلغت ذروتها؛ وفي لحظة انفعال ثوريّ، قضى الأنبا كيرلس مقار ثلاثة أيام في الدار البطريركيّة للروم الأرثوذكس (إحدى الكنائس الخلقيدونيّة)، مُعلنًا انفصاله عن الكنيسة الرومانيّة. ولكنّه فاق من غفلته وعاد إلى صوابه؛ وبناءً على نصائح بعضهم، سافر إلى روما ليعلن توبته ويطلب الصفح. وقد جاء في وثيقة ندامته وخضوعه واحترامه للكرسي الرسوليّ– والتي كتبها في 9 مارس/آذار 1912– ما يلي:
«أنا الموقع اسمي أدناه، كيرلس مقار، بطريرك الأقباط الكاثوليك المستقيل، القادم إلى روما من تلقاء نفسي، لأجاهر للكرسي الرسولي، بعزمي الثابت أن أحيا وأموت في الإيمان الكاثوليكي، خاضعًا للحبر الروماني، أعلن طائعًا مختارًا وبضمير صادق خالص ما يأتي: إني أعرب عن شديد أسفي، لأني في أيام تجربة وانكسار قلب، واضطراب أدبي شديد انتميت جهرًا للكنيسة اليونانية المنشقة، الكائنة بالإسكندرية في القطر المصري. على أني أشكر الله مع ذلك لأني لم أشترك في عمل ديني في الكنيسة. وأنكر كل ما أجريته بهذا الخصوص وأشجبه. وآسف عليه من صميم الفؤاد. وأني مستعد أن أقبل كل ما يترآى للكرسي الرسولي أن يفرضه علىّ من أنواع الكفارة والتعويض، وأن أعيش من الآن فصاعدًا في الخلوة متفرغًا لأعمال التقوى والدروس العزيزة لديَّ. وكذلك أنكر ما بدا مني أثناء خروجي هذا من قول أو فعل أو كتابة يشتم منها رائحة انشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية، وأشجبه وأندم عليه بكل قواي، وألتمس بكل تذلل صفحًا عن الشكوك التي سببتها للمؤمنين بسقطتي هذه. أخيرًا أجدد مقاصدي العلنية بالطاعة للكرسي الرسولي وكامل مصادقتي على عقائد وتعليم الكنيسة المقدسة الكاثوليكية الرومانية، لا سيما فيما يتعلق بالرئاسة المطلقة المخولة من الله للحبر الروماني على الكنيسة عمومًا وعلى كل طائفة وكل فرد خصوصًا» ("أعمال الكرسي الرسولي" 3، عام 1912، 214).
وبعد أن أعلن ندامته وتوبته، عاد الأنبا كيرلس مقار من روما إلى منفاه في لبنان، واستقرّ في العاصمة بيروت. وفي 18 مايو/أيّار 1921، مات فجأةً في المنفى؛ فبعد أن قَبِلَ الأسرارَ المقدّسة فاضت روحه إلى خالقه، ورقد على رجاء القيامة.





