محرر الأقباط متحدون
استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح اليوم الجمعة في الفاتيكان المشاركين في المؤتمر البرلماني الدولي الثاني بشأن مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة في دول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ووجه لهم كلمة توقف فيها عند أهمية العمل المشترك من أجل تطبيق العدالة ومساعدة الأشخاص المدمنين على المخدرات، مع الدفاع عن حقوق وكرامة الجميع بما في ذلك مرتكبو الجرائم.
استهل الحبر الأعظم خطابه مرحبا بضيوفه ومعرباً عن سروره للقائهم في الفاتيكان وقال إن المؤتمر يهدف إلى النظر في مسألة التصدي لآفة المخدرات، موضحا أن مشاركة البرلمانيين الواسعة والتي تمتد من فانكوفر بكندا، وصولا إلى فلاديفوستوك الروسية هي خير دليل على العزم الدولي في مواجهة هذه الظاهرة التي تدعم الشبكات الإجرامية وتعرض مستقبل مجتمعاتنا للخطر.
هذا ثم لفت لاون الرابع عشر إلى أن الكرسي الرسولي مقتنع تمام الاقتناع بضرورة العمل الموحد من أجل إرساء أسس القانون والوقاية من الجريمة وتطبيق العدالة، كما أن إنفاذ القانون بشكل أصيل يبقى شرطاً أساسياً من أجل ضمان التنمية البشرية المتكاملة، وذكّر بأن العقيدة الاجتماعية للكنيسة تؤكد أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تبقى وتستمر إلا في ظل سيادة القانون، حيث لا يستطيع أي فرد أو جماعة، بغض النظر عن موقع القوة، أن ينتهك كرامة أو حقوق الآخرين. من هذا المنطلق، تابع البابا يقول، ثمة رباط قوي قائم بين الوقاية من النشاطات الإجرامية والتصدي لها من جهة والدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية من جهة أخرى. وأضاف أن هذه المهمة لا تقتصر فقط على أجهزة إنفاذ القانون إذ تتطلب التزاماً من قبل المجتمع ككل، وعلى الصعيدين المحلي والدولي.
مضى الحبر الأعظم إلى القول إن الكرسي الرسولي يدعم كل المبادرات الهادفة إلى إقامة منظومة للعدل الجنائي، ناجعة وعادلة وإنسانية وذات مصداقية، تكون قادرة على مكافحة عمليات إنتاج وتهريب المخدرات. وذكّر في هذا السياق بأن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على عقاب المذنب وحسب، إذ لا بد من تبني مقاربات تتميز بالرحمة والمثابرة وتهدف إلى إعادة تأهيل المجرمين ودمجهم بالكامل ضمن النسيج الاجتماعي. ولفت البابا أيضا إلى أن مبدأ احترام كرامة الكائن البشري غير القابلة للتصرف، بما في ذلك من ارتكبوا الجرائم، يتعارض مع تطبيق عقوبة الإعدام، وممارسة التعذيب وأي شكل من أشكال العقوبات القاسية والمهينة.
لم تخل كلمة لاون الرابع عشر من الإشارة إلى ضرورة تبني برامج شاملة ومتكاملة من أجل مساعدة من وقعوا ضحية الإدمان على المخدرات، إذ لا بد أن يوفَّر لهم العلاج الطبي والدعم النفسي بالإضافة إلى برامج إعادة التأهيل. وقال إن هذه المقاربة المتعددة الاختصاصات ينبغي أن تشمل الكائن البشري بكليته، وتتخطى الإجراءات القمعية البحتة والحلول المتساهلة، العاجزة عن تحرير الإنسان من سلاسل الإدمان، وبهذه الطريقة يعيد اكتشاف ملء الكرامة التي منحه إياها الله ويختبرها من جديد.
بعدها انتقل البابا إلى الحديث عن أهمية التربية التي هي ركن أساسي في مجال الوقاية من المخدرات، مؤكدا أنها تضع الأسس للتنمية البشرية المتكاملة وتساعد الأطفال والشبان على التعرف على ما تُحْدثه المخدرات من خراب ودمار. وأكد لاون الرابع عشر أنه في زمن تسعى فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى تضليل الشبان في غالب الأحيان، لا بد أن تبدأ التربية من البيت والعائلة وتُعزز في المدرسة، حيث توفَّر للتلامذة معلومات علمية دقيقة بشأن ما تسببه المخدرات من ضرر على الدماغ والجسم والسلوك الفردي كما على الخير العام.
هذا ثم قال الحبر الأعظم إن الوقاية من الجريمة المنظمة والتصدي لها مسألة أساسية من أجل بناء مجتمعات آمنة وعادلة ومستقرة. من هذا المنظار شاء البابا أن يشيد بالدور الذي تلعبه أجهزة إنفاذ القانون، بالإضافة إلى الجسم القضائي، لاسيما من يعرضون حياتهم للخطر ويقومون بواجباتهم بشجاعة كبيرة. وقال إن الشهادة التي يقدمها هؤلاء الرجال والنساء ينبغي أن توقظ بداخلنا مشاعر الامتنان والمسؤولية والعزيمة المتجددة. ولفت البابا بريوفست إلى أن الكنيسة الكاثوليكية، ومن خلال مؤسساتها العديدة المنتشرة حول العالم وبفضل الخبرة التي اكتسبتها في مجال مرافقة المدمنين، تبقى دائماً مستعدة لتعزيز روابط التعاون المثمر مع المجتمع المدني، على هذا الصعيد. وقال إنه في إطار الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة يمكننا أن نعزز سياسات تخدم فعلاً الخير العام، والكرامة غير القابلة للتصرف لكل كائن بشري.
في الختام تمنى البابا لاون الرابع عشر أن يحمل المؤتمر البرلماني الدولي الثاني بشأن مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة ثمارا وافرة ودائمة، على صعيد استراتيجيات التعاون العابرة للحدود الوطنية، كما أيضا في مجال الوقاية الناجعة وفي تعزيز الأمل الأصيل. وسأل الله أن يمنح جميع المؤتمرين والأشخاص الذين يمثلونهم بركات الحكمة والشجاعة والسلام الدائم.




