د.ماجد عزت إسرائيل  

في مساء الثلاثاء 2 أبريل 1968م، بدأت في سماء كنيسة السيدة العذراء بالزيتون- القاهرة واحدة من أعظم الوقائع الروحية في التاريخ المصري والكنسي المعاصر، حين تجلت أم النور فوق القباب في مشهد نوراني مهيب، لم يكن حدثًا عابرًا، بل صار علامة راسخة في الوجدان القبطي والمصري على السواء.وكانت البداية عندما لمح بعض العاملين بجراج النقل العام المقابل للكنيسة نورًا غير عادي يعلو القبة، ثم ما لبث هذا النور أن تكشف عن هيئة سيدة نورانية مهيبة، تتحرك في وقار وسكون، وسط دهشة الجموع التي أخذت تتزايد لحظة بعد أخرى. وسرعان ما تأكد الحاضرون أن ما يرونه أمامهم ليس مشهدًا عاديًا، بل تجلٍ سماوي فريد للسيدة العذراء مريم.
 
   وقد شهد هذا الظهور عدد كبير من الناس من مختلف الفئات والانتماءات، مسيحيين ومسلمين، مصريين وأجانب، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في مشهد نادر توحدت فيه الأنظار والقلوب نحو السماء. ولم يكن هذا الظهور لحظة واحدة وانتهت، بل توالى في ليالٍ متعددة، وظهر في صور ومناظر روحانية مختلفة، أحيانًا فوق القباب، وأحيانًا بين الأشجار، وأحيانًا حاملة السيد المسيح، أو رافعة يديها بالبركة، أو منحنية أمام الصليب في مشهد مملوء مهابة وسلامًا. ومع اتساع الخبر وانتشاره بسرعة هائلة، بادرت الكنيسة القبطية إلى التعامل مع الحدث بمنتهى الجدية والمسؤولية، فأمر قداسة البابا كيرلس السادس، البطريرك الـ116(1959-1971م) بتشكيل لجنة رسمية لتقصي الحقائق برئاسة نيافة الأنبا غريغوريوس، وعضوية عدد من الآباء الكهنة، وبعد متابعة دقيقة لشهادات العيان وتكرار المنظر أمام الآلاف، قدمت اللجنة تقريرها الذي أكد صحة الظهور. وعلى أثر ذلك أعلنت الكنيسة اعترافها الرسمي بالحدث، في خطوة منحت الواقعة مكانتها التاريخية والكنسية الراسخة.
 
وفي 4 مايو 1968م، عُقد مؤتمر صحفي رسمي بالكنيسة المرقسية بكلوت بك، حضره مندوبو الصحافة المصرية والعالمية، وأعلنت فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ثبوت ظهور السيدة العذراء في الزيتون.
 
ومنذ ذلك الوقت لم يعد الحدث خبرًا محليًا فحسب، بل تحول إلى قضية رأي عام روحي عالمي، تناقلتها الصحف والإذاعات ووكالات الأنباء، كما حضرت بعثات إعلامية أجنبية إلى مصر لتوثيق ما يجري في كنيسة الزيتون، في دلالة واضحة على عمق الأثر الذي تركه هذا الظهور في مصر وخارجها.
 
وقد صاحبت هذا التجلي مظاهر روحانية لافتة، رصدها كثيرون، من بينها حمام أبيض منير يخترق السماء في غير أوقات طيران الحمام المعتادة، وصلبان من نور، ونجوم مضيئة، وسحب نورانية، وبخور معطر يملأ الأجواء في لحظات الظهور. وكلها مشاهد عمقت في نفوس الحاضرين الإحساس بأنهم أمام حدث يتجاوز حدود المألوف، ويحمل رسالة عزاء وسلام وبركة.
 
ولعل أجمل ما ميّز ظهور الزيتون أنه لم يكن ظاهرة تخص جماعة بعينها، بل صار حدثًا جمع المصريين في لحظة نادرة من الوحدة الروحية والوجدانية. فقد وقف المسلم إلى جوار المسيحي، والمصري إلى جوار الأجنبي، والجميع يرفعون أنظارهم إلى السماء في رهبة ودهشة وصلاة. ولهذا ظل ظهور العذراء في الزيتون حاضرًا في الذاكرة الوطنية بقدر حضوره في الذاكرة الكنسية، بوصفه مشهدًا من مشاهد النعمة التي عبرت فوق أرض مصر، وتركت أثرها في القلوب.
 
  فإن تجلي السيدة العذراء في الزيتون لم يكن مجرد حدث بصري أو خبر صحفي، بل كان علامة روحية كبرى، حملت في جوهرها رسالة طمأنينة لشعب مصر، وبرهانًا حيًا على مكانة السيدة العذراء الخاصة في وجدان المصريين، وعلى بركة الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة، ثم شهدت بعد قرون هذا التجلي الفريد فوق قباب كنيسة الزيتون.
 
ومن هنا يبقى ظهور 2 أبريل 1968م صفحة مضيئة في تاريخ الإيمان، وحدثًا يستحق أن يظل حاضرًا بالتوثيق والدراسة والذاكرة، لأنه لم يكن مجرد ذكرى، بل شهادة حية على زمن رأت فيه الجموع السماء تقترب من الأرض.
 
وهكذا يبقى تجلي السيدة العذراء مريم في الزيتون سنة 1968م واحدًا من أبرز الأحداث الروحية في التاريخ الكنسي المعاصر، لا بسبب كثرة الشهود واتساع صداه فحسب، بل لما حمله من دلالات إيمانية ووطنية وإنسانية عميقة. وقد مثّل هذا التجلي علامة فارقة في الوجدان المصري، إذ التقت عنده شهادة التاريخ مع خبرة الإيمان، وتوحدت أمامه القلوب في مشهد نادر من الرجاء والسلام. ومن هنا تظل واقعة الزيتون صفحة مضيئة في تاريخ الكنيسة ومصر معًا، وجديرة دومًا بالتأمل والتوثيق والدراسة.