زهير دعيم
في سابقةٍ مؤلمةٍ تُثقِل الذاكرة وتجرح الضمير، أقدمت الشرطة الإسرائيلية يوم امس الأحد ،على منع غبطة البطريرك اللاتيني الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة لإقامة قدّاس أحد الشعانين ، بذريعة " أسباب أمنية " ؛ ذريعةٌ واهية باتت تُستخدم كثيرًا حتى فقدت معناها ، وصارت غطاءً لتصرفاتٍ تثير الامتعاض ، وتستفزّ الإحساس العميق بالعدالة والكرامة ـ نحن الذين نؤمن بالمحبّة ونعيشها من خلال الربّ يسوع المسيح .
ما حدث ليس إجراءً عابرًا ، ولا تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه بسهولة ، بل هو اعتداءٌ على تقليدٍ دينيٍّ عريقٍ يمتدّ لعقود طويلة ، بل لقرنٍ كامل لم تُسجَّل خلاله حادثة مشابهة . أن يُمنع رأس الكنيسة اللاتينية في الأرض المقدسة من أداء الشعائر في أحد أقدس الأيام المسيحية في كنيسة القيامة ، فهذا يتجاوز حدود “ التنظيم !!! ويدخل في دائرة التضييق المرفوض ، بل والإهانة الصريحة لمشاعر المؤمنين المسيحيين.
الغضب هنا ليس انفعالًا أعمى ، بل غضبٌ مشروع ، يكاد يكون "غضبًا مقدّسًا " ، لأن ما جرى يمسّ جوهر الحرية الدينية التي يُفترض أن تكون مصونةً ، لا خاضعةً لمزاج القرارات الأمنية.
وأي منطقٍ يقبل بأن يُعامل رجال الدين وكأنهم عبءٌ يجب تقييده بدل أن يكونوا جسور سلامٍ في مدينةٍ غنّت وما زالت تُغنّي السلام .
إن اورشليم بتاريخها وروحها ، ليست ملكًا لإجراءاتٍ طارئة ولا لقراراتٍ تضيق وتتسع وفق حساباتٍ آنية. بل هي مدينة مفتوحة للسماء قبل الأرض ، وللصلاة قبل السياسة ، وما جرى يوم امس الأحد يُشكّل طعنة في هذا المعنى العميق ، ويطرح أسئلة جدّيةً حول مستقبل حرّية العبادة . فليس المطلوب امتيازات ولا استثناءات بل احترام الحدّ الأدنى من الحقوق التي تكفل لكلّ انسان ان يمارس ايمانه بكرامة .
ومن هنا فإنّ الصمت والسكوت على مثل هذه الحوادث لم يعد خَيارًا بل بات واجبًا اخلاقيًّا ..نعم علينا رفع الصوت بمحبة والاحتجاج بلين والصراخ بهمس.
واخيرًا وهو مهمّ : نقدّر عاليًا ما قام به رئيس الدّولة السيد يستحاق هرتسوع من التواصل هاتفيًا مع غبطة البطريرك
حيث أعرب خلاله عن أسفه إزاء منعه ، إلى جانب راعي الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو يلّفو، من دخول كنيسة القيامة لأداء الصلاة ، وذلك لدواعٍ أمنية .
وأكد الرئيس التزام الدولة الثابت بحرية الدين لجميع الأديان ، والحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة في المدينة ، مشدِّدًا على أهمية التنسيق المستقبليّ مع البطريرك اللاتيني لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث .
كلّنا أمل أن تزول وتتبدّد غيمة الحرب الدّاكنة ، فنعود نُعيّد فصحنا المجيد ويعيّد أخوتنا اليهود فصحهم أيضًا في سلام وطمأنينة وبعيدًا عن المنع .





