بقلم الأب يسطس الأورشليمى
وإنما تشعر وكأنه يُود أن يدخل بكُل مُؤمن بالرُوح القُدس إلى التمتع بهذه النعم والعطايا الإلهية، على عكس الدارسين المُحدثين، إذ يهتمُون بالأكثر بتقديم تعاريف، ويدخلُون في أبحاث فكرية فلسفية أكثر من الخبرة الحيّة..
يكثر بولس الرسُول الحديث عن النعمة كمقابل لأعمال النامُوس الحرفية، فقد أراد اليهُود أن يتبررُوا بأعمال النامُوس، لكن جاء السيد المسيح ليهب النعمة المجانية لكُل البشر للتبرير، الله الذي هُو غنيّ في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحنُ أمُوات بالخطايا أحيانا مع المسيح بالنعمة أنتُم مُخّلصُون، راجع الكتاب (أف4:2-10)..
فالنعمة هي عطية الله الآب، التي يُقدمها لنا في ابنه يسُوع الذي بالصليب حملنا فيه لننعم بما له، ووهبنا رُوحه القدُوس، رُوح الشركة الذي يرفعنا، كما بجناحي الرُوح إلى الأحضان الأبوية..
جاءت كلمة: نعمةcharisma مقابل كلمة: أجرةopsonis ، فالخطية أجرتها مُوت، يُقابلها النعمة التي هبتها الحياة الأبدية (رو15:5؛ 23:6)، فما نناله من الله ليس أجرة عن عمل نُمارسه، إنما ارتبطت كلمة: النعمة في ذهن الرسُول بعمل الله الخلاصي المجاني، وغايتها أن ترفعنا من حالة ما تحت حكُم النامُوس، إلى حالة النعمة التي نعيشها ونُقيم فيها (رو2:5)، هذه النعمة الإلهية المجانية، تُقدم للعالم كُله بلا مقابل، وبلا قيُود من جانب الله، لكن لا ينتفع بها المقاومُون، والعنيدُون، والجاحدُون..
إذ لا تنزع النعمة حرية الإرادة، من هُنا نفهم الجهاد الرُوحي، فأننا لا نُقدمه كثمن للنعمة، وإنما كإعلان عن جدية قبُولنا وتجاوبنا مع نعمة الله المجانية، وهذه النعمة تعمل فينا لتقديس مشيئتنا وأعمالنا، وبجديتنا ينفتح القلب، أكثر وأكثر لقبُول العمل الإلهي، وهكذا نرتفع من مجد إلى مجد، ونُمارس الحياة بجهاد خلال النعمة المجانية..
والنعمة هي حالة يتمتع بها المُؤمن الحيّ، الذي يقبل الإيمان العامل بالمحّبة، هذه هي النعمة العامة المُقدمة للجميع..
خلال النامُوس الطبيعي صرخ أيُوب: كيف يتبرّر الإنسان عند الله؟! (أي2:9؛ 14:15-16) مَن هُو الإنسان حتى يزكو، أو مولود المرأة حتى يتبرّر؟! (أي4:25-6)، وقد جاء العلاج:
مُتبرّرين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسُوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار برّه في الزمان الحاضر، ليكُون بارّاً ويبرّر مَن هُو من الإيمان بيسُوع، فبالأولى كثيراً ونحنُ مُتبرّرُون الآن بدمه نخلُص به من الغضب، إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرّر بأعمال النامُوس، بل بإيمان يسُوع المسيح، راجع الكتاب (رو9:5؛ أف16:2)..
كلمة: بار في اللغة اليُونانية بمعنى: عادل، فالله دُعي باراً في العهد القديم خلال علاقته بنا، بتقديمه أعماله الخلاصية للإنسان، أما في العهد الجديد، فيتجلى بره في أعماله الخلاصية في المسيح يسُوع، لأن فيه مُعلن برّ الله بإيمان، لإيمان (إش13:46؛ 1كو30:1)، ومنه أنتُم بالمسيح يسُوع، الذي صار لنا حكمة من الله وبرًّا وقداسة وفداءً..
الله بار في وعده وأمين في مواعيده، فماذا إن كان قُوم لم يكُونُوا أمناء؟ أفلعلّ عدم أمانتهُم يُبطل أمانة الله؟! حاشا! بل ليكُن الله صادقاً وكُل إنسان كاذباً: لكي تتبرّر في كلامك، وتغلب متى حُوكمت..
الله بار في وعده للإنسان رغم عدم تجاوب البشرية مع عمله الخلاصي، وعدم قبُولها عملياً لوعُوده بالطاعة له، فالإنسان صار في عُوز إلى برّ الله، والبرّ في سلبيته هُو: توقف عن الشرّ، أما في إيجابيته هُو حمل سمات المسيح فينا، فهُو رفض الشرّ وعمل الصلاح، واهتمام الرُوح، أي السلُوك بالرُوح القُدس ورفض اهتمام الجسد والشهُوات..
+ نلاحظ أن: القداسة سمة خاصة بالله نفسه القدُوس، والله يسكب هذه السمة على خليقته المحبُوبة لديه فيحسبهُم قديسين، ناسباً نفسه إليهُم بدعُوته: قدُوس القديسين ويسمى شعبه: أمة مقدسة..
راجع (لا44:11؛ خر6:19؛ دا24:9؛ 1بط9:2)..
فالقداسة: هبة وعطية إلهية ونعمة مجانية تُعطى لمُؤمنيه، وتُقدم لأولاد الله المُجاهدين، لكي يصيرُوا على شبه أبيهُم القدُوس، لأن هذه هي إرادة الله: قداستكُم، وكما يقُول الرسُول: لكي نشترك في قداسته ، فإن كان الرُوح القُدس يسمى: رُوح القداسة، فالله يهبنا الحياة المُقدسة برُوحه القدُوس الذي يدخل بنا إلى الثبُوت في المسيح القدُوس، فنحمل سماته فينا..
راجع الكتاب (يو4:15؛ 1تس3:4؛ عب10:12)..
+ هذه الهبة والعطية المجانية تُعطى للمُجاهدين بالرّب، لا ثمناً لجهادهُم وإنما من أجل تجاوبهُم مع فيض نعمته المجانية، ليسلكُوا في القداسة، لعلهُم يبلغُون إلى قياس قامة ملء المسيح (أف13:4)..
ونلاحظ في الاختيار، وحرية الإرادة في (9) أن الرسُول لا يُعالج مشكلة حرية الإرادة، بل حقّ الله في اختيار الأمم كما سبق وأختار اليهُود، لقد رحم الآخرين دُون فضل من جانبهُم سُوى رحمة الله، وهذه المراحم لها حقّ العمل في غيرهُم أيضاً، وهُو يُؤكد حرية الإرادة الإنسانية، وتقديس الله لها، مُكرماً الإنسان كشخص له إرادة ومشيئة حرة..
هي هبة وعطية من عند الله، فإن كان يرحم المُؤمن ليس كأجرة أو كثمن لمشيئته وسعيه، لكنه في نفس الوقت يسألنا أن نشاء ونُريد ونسعى بنعمته فننال رحمته المجانية، وإن كان الخزاف له سُلطان، ويُود أن يكُون الكُل آنية للكرامة، فإن رفض الإناء الكرامة تمجد الله فيه حتى وهُو إناء للهُوان، مثل فرعُون خلال قسُوة قلبه والضربات العشر..
الخاطيء مثل مُجرم في قفص الاتهام، أنت مُذنب وتستحق أقصى عقاب، وإبليس هُو المُشتكي عليك، والمُفتري الذي يوجه الاتهام والله عادل، فيجب أن يُعاقب الخاطيء بأشد عقاب، وإبليس يحرص أن تصل أصواته إلى أذن الخاطيء، وتتغلغل إلى ضميره حتى يشعر دائماً بالذنب، ورفض الله له واستحقاقه العقاب، وقد يلّح عليه ويهمس في أذنه أن يُكفّر عن خطاياه بأعمال يقُوم بها لإراحة ضميره، ولكن الأعمال لا يمكنها أن تُكفّر عن خطية واحدة أمام الله، لأن أجرة الخطية هي موت..
أن عقاب المرأة الزانية الرجم، إلا أن إبليس كذّاب وأبو الكذّاب، يأتي للإنسان، ويقُول له ليس هُناك طريق للخلاص، ويجعلك تيأس وتحاول أن تعمل أعمالاً صالحة لعلها تُكفّر عن خطاياك، ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله؟ أجاب يسُوع وقال لهُم: هذا هُو عمل الله: أن تُؤمنُوا بالذي هُو أرسله، راجع الكتاب المقدُس (يو28:6؛ 44:8)..
إذ تبرّرنا بالإيمان بقبُول الرّب يسُوع بديلاً عنا، لنا سلام مع الله، فالتبرير عطية وهبة ونعمة مجانية من الله إلى الإنسان، وهذا يدفعك أن تحبه حباً عظيماً، فلا تجرح قلبه، جراح حبيبي غالية عليّ جعلتني أكره كُل خطية، يا لسعادة وفرح الخاطيء حينما يتبرّر، طوبى للرّجُل الذي لا يحسب له الرّب خطية، يُغنّي بين الناس ويقُول: قد أخطأت وعوّجت المستقيم ولم أجاز عليه، فَدى نفسي من العبُور إلي الحفرة، فترى حياتي النُور، فالمُؤمن يُبّكته الرُوح القُدس عندما يُخطيء، لكن في جُو من الأمان، والإحساس والشعُور بأنه ابن محبُوب جداً لأبيه (أي27:33؛ أع14:3)..
لقد أنكر بُطرُس الرّب يسُوع أمام جارية، ولكن بعد حُوالي شهرين من هذه الحادثة نراه يوبخ اليهُود لكي يتُوبُوا قائلاً: ولكن أنتُم انكرُتم القدُوس البارّ، وطلبتُم أن يُوهب لكُم رجُل قاتل، فكيف أستطاع بجرأة أن يُوبخهُم على خطية قد أرتكبها هُو أيضاً بصورة أسوأ؟!!
لا شك في ذلك أنه التبرّير، الذي يرفع تماماً كُل إحساس بالذنب، كذلك بُولس يقُول: أنا الذي كُنت قبلاً مُجدفاً، ومُضطهداً، ومُفترياً، ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان، أني كُنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها، راجع (أع10:26؛ غل13:1؛ 1تى13:1)..
لقد تحرّر من الإحساس بالذنب، لأنه آمن أنه تبرّر أمام الله يوم آمن بالرّب يسُوع، فنراه يخدم بفرح عجيب متمتعاً بسلام حقيقي مع الله (1:5)، وبسبب التبرير لم يعد الله قاضياً بالنسبة لك، بل أب حنُون، وعرشه تحّول إلى عرش النعمة، بعد أن كان عرشاً للقضاء، فما أبعد الفرق بين قاضي يحكم بعقُوبة، وبين أب يُؤدب ابنه لمنفعته؟!
فلنتمسك بُوعُود الرّب مُتبرّرون الآن بدمه، ونخلُص بيسُوع من الغضب الآتي، راجع (رو9:5؛ 1تس10:1؛ يع16:5)، وطلبة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها فمَن سيشتكي على مُختاري الله؟! الله هُو الذي يُبرّر!! مَن هُو الذي يدين؟! المسيح هُو الذي مات، بل بالحريّ قام أيضاً، الذي هُو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا!! مَن سيفصلنا عن محّبة المسيح؟! أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عُري أم خطر أم سيف ؟! كما هُو مكتُوب: إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذّبح، ولكنّنا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا (رو33:8- 37)..





