بقلم د . ق  يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
وعضو إتحاد كتاب مصر 


وادي قدرون
مدينة القدس محاطة من ثلاث جهات بأودية عميقة وواسعة هي وادي هينوم، ووادي قدرون او وادي القيامة، اسم قدرون في العبرية يعني "العميق" لأنه كان أعمق بكثير مما هو عليه اليوم. وفي موسم الأمطار كانت تجتاحه المياه الموحلة. تحول اسم الوادي إلى وادي يوشفاط في القرن السادس ق.م.  وهو الاسم الذي نجده في سفر يوئيل 4 : 2 – 12 عند الحديث عن القضاء الأخير. يوشفاط ليس اسم أحد ملوك الإسرائيليين وحسب بل ويعني أيضا "الرب يقضى" وربما يعني "وادي القضاء" وهو اسم آخر لوادي قدرون الذي يفصل جبل الزيتون إلى الشرق عن القدس. حسب سفر يوئيل فإن الرب سيجمع الأمم في وادى شرقي القدس ليحاسبهم. كانت المحاكم في العادة تقوم عند أبواب المدينة ولهذا يفترض الأنبياء أن الله سيحاكم الشعوب عند  باب القدس الشرقي لأنه أقربها إلى الهيكل. ندرك مما سبق لماذا ركز الإنجيليون الأربعة على يوم الأحد الذى دخل فيه يسوع إلى المدينة المقدسة. وقع هذا الحدث في الأحد السابق للفصح  من خلال الباب الشرقي المؤدي إلى الهيكل مباشرة. 

مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!»

فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاِثْنَيْ عَشَرَ.

 لم يعد قدرون اليوم نهر ماء إنما هو واد مقحل لا تجرى فيه المياه إلا في موسم الأمطار. ويبدأ الوادي في الجزء العلوي باسم وادي الجوز وفي الجزء السفلي باسم وادى النار ومن ثم يغوص في صحراء اليهودية.

وادي قدرون في الكتاب المقدس
2 صم 15 : 23 خلال ثورة أبشالوم تخلي داود عن أورشليم خوفا من أن يسبب ابنه الأذى للمدينة ومضى بصحبة بعض رفاقه. "كان الشعب كلهم يعبرون وادي قدرون ثمّ عبر الملك وجاز الشعب كله وأخذ في طريق البرية ". 

1 ملوك 15 : 13 الملك آسا، وهو أحد قلائل ملوك يهوذا الذين قال عنهم الكتاب المقدس إنهم صنعوا ما هو قويم في عيني الرب. قام بالقضاء على الأوثان التي أدخلها أبوه وأمه إلى إسرائيل  "وعن مَعكّة جَدَّته نَزعَ لقب الملكة الأم لأنها صنعت فظاعة لِوَتّدٍ مقدس فَحَطَّمَ آسا فظاعتها وأحرقها في وادي قدرون". 

2 أخبار 2 : 1 – حقق يوشفاط ملك يهوذا نصرا عظما على الموآبيين والعمونيين. ومن المحتمل أنه إثر هذا النصر أطلق اسمه على وادي قدرون لذكرى تدخل الله العجيب ضد أعداء شعبه 

2 أخبار 29 : 16 – خلال إصلاحات حزقيّا ويوشيا الدينية، ألقوا بأغراض الأوثان في مجرى قدرون وأحرقوها فيه (2 ملوك 23 : 4). 

إرميا 31 : 38 – خلال مواعظه للشعب حول العهد الجديد الذي يبرمه الله مع شعبه، يصف النبي إرميا المدينة التي سيبنيها الله خربة فوق الأطلال ويضع حدودها من وادي جهنم إلى نهر قدرون، ويقصد بذلك أنَ الأماكن التي كانت مكرسة للممارسات الوثنية. واكتسب الوادي بهذه النبوة معنى التطهير والعدل. 

ويشير يوئيل النبي إلى هذه النبوءة التي تحدد حكم الله النهائي (في تلك الأيام) على الشعوب التي شتّت شعبه وحملت إليه العبادات الوثنية. " لتنهض الأمم وتصعد إلى وادي يوشفاط فإني هناك أجلس لأدين جميع الأمم من كل ناحية" (يوئيل 4 : 12). 

من كنيسة الجسمانية ننزل في الوادي عبر منحدر شديد نحو الضرائح القديمة قرب المقابر المسيحية والإسلامية. 

الضرائح القديمة 
في الجهة الشرقية من وادي قدرون مجموعة من المقابر، و هى عبارة عن مدافن محفورة في الصخر مكونة من غرف للدفن ويظهر شكل بعضها الهرمي. من بين أهم وأجمل قبورها القبر المعروف بطنطور فرعون بقبته التى تشبه رأس القنينة، مدى التأثير المصري في المنطقة ويعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد، وقبر زكريا بقبته التي تشبه الهرم، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وقبر بنت فرعون بقبته المكعبة من القرن التاسع او القرن السابع قبل الميلاد. وهناك مقبرة يهودية كبيرة جنوبي شرقي هذه القبور. نجد في الموقع قبر أبشالوم وقبر يوشفاط.

كنيسة القديس اسطفانوس 
 نجد الكنيسة الارثوذكسية بين الجسمانية وسور المدينة العالي وهي حديثة البناء (1957م.) وتقوم في الموضع حيث يروي تقليد قديم أنّ استشهاد القديس اسطفانوس تمّ قرب صخرة هناك. تسبّب تشتُت اليهود المتنصرين وضياع شهاداتهم وكتاباتهم في فقدان التقاليد المرتبطة بحادثة اسطفانوس وغيرها من الأماكن المقدسة. 

خلال أعمال الحفريات تمّ العثور على بضع درجات هي جزء من الطريق الذي كان يصعد من وادي قدرون إلى الهيكل، الأمر الذي جعل إمكانية استشهاد اسطفانوس في هذا المكان محتملة. 

{فحدّق إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأي مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله. فقال: "ها إني أرى السماوات متفتّحة، وابنَ الإنسان قائماً عن يمين الله" . فصاحوا صياحا شديدا، وسدّوا آذانهم وهجموا عليه هجمة رجل واحد، فدفعوه إلى خارج المدينة وأخذوا يرجمونه. أمّا الشهود فخلعوا ثيابهم عند قدمي شاب يدعى شاول. ورجموا اسطفانوس وهو يدعو فيقول: " ربّى يسوع ، اقبّل روحي " . ثمّ جثا وصاح بأعلي صوته: " يارب، لا تحسب عليهم هذه الخطيئة". وما إن قال هذا حتّى رقد . وكان شاول موافقا على قتله. وفي ذلك اليوم وقع اضطهاد شديد على الكنيسة التي في أورشليم، فتشتتوا جميعا، ما عدا الرسل، في نواحى اليهودية والسامرة }. (أع 7 : 55 – 8 : 1).و لان سوف نصعد الى جبل الزيتون من بين الضرائح القديمة.

بستان جثسيمانى:
 يفصل وادى قدرون (وادى يهوشافاط) جبل الزيتون عن مدينة القدس، وفى سفح جبل الزيتون يوجد بستان جثسيمانى، فيه مغارة طبيعية طولها 17.6 متراً وعرضها 11.40 متراً وارتفاعها 3.50 متراً. والاسم "جثسيمانى" الذى أطلق على هذه المغارة وعلى المنطقة التى تحيط بها كلمة أرامية مركبة من "جيث – شمن" وتعنى "معصرة الزيت"، وأثبتت الحفريات التى قام بها عالم الآثار  Virgilio Corbo صحة هذا الإسم والتقليد الذى يقول أن هذه المغارة والبستان المجاور لها، هى مكان الجثسيمانية التى تكلم عنها الإنجيل المقدس، وبقى هذا التقليد ثابتاً منذ القرون الأولى وحتى الآن. 

       كان السيد المسيح له المجد يذهب عادة مع تلاميذه إلى هذا المكان فى وقت وجودهم فى مدينة أورشليم (لوقا 21 : 37 ولوقا 22 : 39). إلى هذا المكان جاء الرب يسوع وتلاميذه بعد العشاء الأخير فى خميس العهد (مر 14 : 32 ويو 18 : 2). فى هذه المغارة ترك الرب يسوع تلاميذه وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا ليصلى "حيث الآن توجد كنيسة النزاع " (متى 26 : 26 – 37). فى هذه المغارة قبَّلَ يهوذا الأسخريوطى مُعلّمه ليُسّلمه (متى 26 : 47 ومرقس 14 : 42 ولوقا 22 : 47).

فى هذا المكان شفى السيد المسيح أُذن عبد رئيس الكهنة التى قطعها بطرس ( لوقا22 : 50 ويوحنا 18 : 10). بعد صلاة النزاع، عاد الرب يسوع إلى المغارة، حيث تم القبض عليه ليصلب (يوحنا 18 : 12) هذه المغارة تحولت إلى كنيسة منذ أوائل المسيحية والكنيسة على سفح جبل الزيتون مقابل باب الأسود تعرف بكنيسة الجثمانية او كنيسة الآلام. بُنيت هذه الكنيسة فوق صخرة الآلام التى يعتقد ان المسيح صلى وبكى عليها قبل ان يعتقله الجنود الرومان. وهي ايضا المكان الذي اختبأ يسوع وتلاميذه في حديقتها قبل اعتقاله وأخذه إلى القدس. يعود تاريخ الكنيسة الأولي في الموقع إلى الفترة البيزنطية عام 389 م. دمر الفرس الكنيسة أثناء غزوهم لفلسطين عام 614م،  وفى سنة 1392م، امتلك الرهبان الكاثوليك (الفرنسيسكان) هذه المغارة ووضعوا فيها ثلاثة مذابح. ويحتفل الرهبان الفرنسيسكان بعيد صعود جسد السيدة العذراء، فى هذه المغارة منذ أن طردهم الأتراك من كنيسة قبر السيدة العذراء فى سنة 1757م إذ أن الحكومة التركية إنتزعتها منهم وسلَّمتها لطائفة الروم الأرثوذكس. 

بُنيت الكنيسة الحالية التى تعتبر من اجمل الكنائس في الأراضي المقدسة عام 1924م، وقد أسهمت ست عشرة دولة بتمويل بنائها، وتزينها وهذه الدول ه : الولايات المتحدة – المانيا – كندا – بلجيكا – إنجلترا – أسبانيا – إيطاليا – المكسيك – البرازيل – الأرجنتين – تشيلى – بولندا – المجر – ايرلندا – أستراليا – النمسا. ولذلك صارت تعرف باسم "كنيسة كل الأمم" .. لذلك رُسم شعار كل من هذه الدول بالفسيفساء على السقف، وفى إكليل الشوك البرونزى حول الصخرة. 

وعلى واجهة الكنيسة من الخارج فسيفساء بديعة تمثل السيد المسيح الذى يُقدم للآب آلام البشرية كلها. وتحت هذه اللوحة تماثيل الإنجيليين الأربعة وفوقها الصليب، وعن جانبيه أيلان، مما يذكرنا بكلمات المزمور " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله " (مزمور 42 : 1 – 11). 
ودرج المدخل تم بناؤه سنة 1959م، ويمكن مشاهدة بقايا الكنيسة الصليبية عن يمين الكنيسة الحالية. ونشاهد إلى اليسار من الكنيسة ثمانى أشجار زيتون قديمة، يُقدر علماء الأحياء عمرها بالألفى سنة أو أكثر بقليل، وهناك تقليد مُسلَّم يقول أن التلاميذ الثلاثة كانوا نائمين تحت إحداها. وتضم حديقتها ثماني أشجار زيتون من الفترة الرومانية.

كنيسة قبر السيدة العذراء 
"فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبنى" (لوقا1 : 48) 

موقع الكنيسة وتاريخها: بعد عبورنا وادى قدرون مباشرة، وإلى اليسار، نكون عند سفح جبل الزيتون، نجد درج يهبط إلى " كنيسة قبر السيدة العذراء " والذى بقاياه يمكن رؤيته حتى يومنا هذا. ومن المعروف أن جسد القديسة مريم أُصعد إلى السماء بعد نياحتها، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعيد لتلك المناسبة فى 16 مسرى الموافق 22 أغسطس من كل عام. 

ويشهد الكتّاب أن الموقع كان مكرما منذ القرن الثانى للميلاد ومن ثمّ تحول إلى كنيسة. وقد كرسها للعذراء والدة الله يوفينال بطريرك القدس في وقت لاحق بعد مجمع خلقيدونية (431). بنى الأمبراطور ماوريتسيو كنيسة فوق الكنيسة القديمة وذلك عام 490 وهي الكنيسة التى تحمي القبر المكرم. على الطراز البيزنطى، وقد هدمها الفرس سنة 614م. ثم شيد الصليبيون على أطلالها كنيسة أخرى فى القرن الحادى عشر، وتلك أيضاً هُدمت. فبنى فوقها الآباء الفرنسيسكان الكنيسة الحالية، وأهتموا بها قرابة ثلاثة قرون، غير أن الأتراك طردوهم منها سنة 1757م وسلّموها ليد طائفة الروم الأرثوذكس، بعد هذا بقليل انتزع الأرمن الأرثوذكس جزءاً منها، فصارت مشتركة بينهما. وتوجد لكل من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية، حقوق الصلاة فى هذه الكنيسة فى أوقات ثابتة ضمن اتفاقية الوضع الراهن " Status Quo ". 

    و آل وضع الأقباط إلى مجرد حق إقامه القداس الإلهى فى ذلك الهيكل فى يومى الأربعاء والجمعه طوال السنه عدا صوم العذراء الذى يبد من 7 اغسطس حتى 22 اغسطس  فتقام فيه القداسات يوميا وصلاة القداس الالهى يوم سبت لعازر.

ويوجد بداخل الكنيسة، على يمين الداخل مذبحاً على اسم يواقيم وحنّة، وعلى اليسار مذبحاً آخر على اسم القديس يوسف خطيب مريم العذراء.