⁃ مقال قديم جديد -
قلم: نبيل صمؤئيل
تعتبر الثقافة هي الركن الخامس في أهداف التنمية المستدامة بالإضافة إلى البيئة والاقتصاد والاجتماع والسياسه، حيث جاء في تقرير اللجنة الدولية للثقافة والتنمية باليونسكو "أن التنمية إذا ما فصلت عن محيطها الإنساني والثقافي فإنها تصبح نموا بلا روح"، كما أننا نعلم أيضاً أن أجزاءً من الموروث الثقافي في أي مجتمع قد تكون معوقاً من المعوقات الأساسية لعملية التنمية المستدامه.
وإذا كانت التنمية الإنسانية هي عملية "توسيع الخيارات" أمام الناس.
حيث يمارس الإنسان كل يوم خيارات متعددة، منها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. وحيث أن الإنسان محور تركيز جهود التنمية، فينبغي توجيه هذه الجهود نحو توسيع نطاق خيارات الإنسان " كل إنسان" دون تميز وفي جميع الميادين.
وإذا أخذنا بتعريف التنمية الإنسانية على أنها توسيع خيارات كل الناس، فإننا بذلك نعطي فرصاً أكبر لإمكانية التنوع الثقافي داخل المجتمع المحلي والمجتمع الإنساني العالمي، كما يعطي مؤشر النوع والمعرفة أهمية أكبر للبعد الثقافي في التنمية الإنسانيهً.
ولكي تكون التنمية مستدامة، ينبغي أن تقوم على احترام تنوع الثقافات، الضامن لمتانة البناء التنموي لأي مجتمع من المجتمعات. ويمثل التنوع داخل أي مجتمع أجيالاً من الحكمة والتجارب والمعارف والمبادرات، ويُمكَن المجتمع والشعوب من التضامن، ويُنشئ حالة من التماسك، فيشعر الفرد والجماعات داخل المجتمع المحلي والمجتمع الإنساني ككل، بأهمية تفرده ومشاركته، ومما يُعطي قيمة ذاتية للفرد والمجتمع، تُعاون على التماسك والتضامن المجتمعي.
على الوجه الآخر فإن الثقافة التي لا تسمح بالحرية في الاختيار، أو الإبداع في التفكير، أو التي لا تنفض عن التراث غبار الماضي الذي ربما يُهمش فئة على حساب أخرى، أو لا يعطي فرصاً متساوية لكل أعضاء المجتمع، أو يتمسك تمسكاً شديداً باسترجاع كل الماضي ونقله للحاضر، فإن هذه الثقافة لا تسمح بفرص التنمية المستدامة، حتى وإن ظهرت بعض نتائجها فقط في مجالات الإنتاج وزيادة الدخل، وتحسين المسكن، وتطوير البنيه التحتيه الأساسيه،.
فإذا غاب التفكير العلمي عن مجتمع ما، أو سادته ثقافة الجهل والتمسك بالسلف، أو الاعتقاد في الخرافات، أو الاعتماد على أساليب حياة غير علمية تدنت ثقافة المجتمع، وإذا لم توجه مجهودات التنمية المستدامة لمواجهة هذه الظواهر، واقتصرت فقط على زيادة الإنتاج والدخل أو غير ذلك من التحديث المادي، فإنها لا تحدث تنمية حقيقية في المجتمع، ويتم الاحتفاظ بسلوكيات متخلفة تهدر المال والصحة، وتجمد العقل، وتضع المجتمع ككل في حالة من التخلف.
كما تعرف التنمية ""Develop" "ment – وهي مقطعين الأصل اللاتيني للكلمه وتعرف علي أنها
كسر الحواجز أو فك القيود والأربطة أو فتح المغلق أو إزالة المعوقات لحرية وفكر الإنسان. وهذا يوضح المعنى العميق المتعلق بجميع المفاهيم المذكورة أعلاه للتنمية البشرية والتنمية المستدامة وعلاقتها بالثقافة.
لذا فانه من الضروري أن تتبنى الحكومات إستراتيچيه للثقافة بأبعادها المتنوعة فتشمل:
البعد السياسي وهو اعتبار أن الثقافة حق من حقوق الفرد والمجتمع، في إطار من الديمقراطية والحرية في ممارسة الحقوق السياسية، وذلك بتوفير مناخ يعطي استقلالاً للفكر ويعطي تكافؤاً للفرص.
البعد الاقتصادي من خلال تلبية حقيقية للاحتياجات الضرورية للمواطنين، وتقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء لتحقيق العدالة الاجتماعية مؤسسةً على حقوق الإنسان، والأخذ بالأسلوب العلمي في التفكير والتخطيط، وبناء ثقافة تحفز على التجديد من الداخل، فتنفتح وتتعلم من الثقافات الأخرى بالتواصل وبناء علاقات مع الدول والشعوب على أساس توازن المصالح.
البعد الثقافي ويتجه نحو بناء ثقافة معاصرة، تمزح بين ما نتعلمه من التراث، كما تأخذ بمبادئ الحداثة بإرادة داخلية واعية، وبإستراتيجية للتجديد من الداخل تشمل جميع مرافق حياتنا الثقافية الجماهيرية والقوميه والعالمية، متأثرة بالتعلم المبني على الإبداع والحرية والحركة الذاتية للتعلم، وتربية العقل النقدي، والإطلاع على المنجزات الثقافية العالمية ذات الطابع الإنساني، على مستوى المعرفة العالمية والتنوير والتربية.
إن وجود سياسات ثقافية وتطويرها ضروريان لبناء هوية أي مجتمع، ولمواجهة ما يصيب الثقافة أحياناً من ترهل وتخلف يستلزم إعادة تجديدها، لتنفتح على معطيات العصر، وتتفاعل مع الثقافات الأخرى.
ويقع الجانب الأكبر من تطوير السياسات الثقافية على عاتق الدولة تجاوبا مع المجتمع المدني،
وأما تفعيل هذه السياسة، وإيقاظ حركتها الفكرية والفنية والمدنية فتقع على عاتق المجتمع المدني بكل عناصره ومكوناته.
وبالتالي فإن أي جهدٍ للتنمية المستدامة لابد أن تنظر إلى الثقافة باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق أهدافها وإستدامتها.



