لطيف شاكر
 
 
عندما وقف ترامب رافعا الكتاب المقدس  أمام   كنيسة القديس يوحنا في واشنطن، ،  قائلًا: "بلدنا سيعود قويًّا، أقوى مما كان سابقًا 
 
فتح هذا التصرّف الباب واسعًا للانتقادات، حصَّة ضئيلة منها ناقشت مدى تمتع ترامب بصلاحيات دستورية تُتيح له نشر الجيش رغمًا عن حكَّام الولايات، بينما استأثرت صورته وهو يرفع الإنجيل بنصيب الأسد من الحديث، وفجرت بركانًا من التفاعل عبر كل منصات التواصل الاجتماعي مدعيين ان طريقته في مسك الإنجيل مقلوبًا جعلت البعض يتهمه بأنه أول مرة يرفعه..
 
 وهذا الاتِّهام غير صحيح، فهذا المشهد ليس غريبًا على ترامب؛ فالرجل استعان بالإنجيل مرارًا خلال حملته الانتخابية وأكَّد ذات مرة أنه «لا أحد يُحب الإنجيل أكثر منه»، كما أنه في محفلٍ انتخابي آخر كان أكثر وضوحًا حين رفع الكتاب المقدس عاليًا وهو يقول: 
"هذا هو المفتاح"
 
وربما كانت هذه إحدى المرَّات النادرة التي تخرج فيها الحكمة من بين شفتي ترامب بِاعتباره أن الكتاب المقدس مفتاحه لتحقيق ما يُريد، لكن هذا لم يرحمه من سيول الانتقادات المُوجَّهة إليه بأنه يستغل الإنجيل «سياسيًّا» للدعاية لنفسه    
 
وأظهر استطلاع حديث للرأي، أن حوالي نصف الأمريكيين 49%، يرون أن الكتاب المقدس يجب أن يكون له تأثير، بشكل أو آخر، على قوانين الولايات المتحدة، فيما يرى الربع تقريبا 23% أنه يجب أن يكون له "تأثير كبير"
 
وقال "انا، دونالد جون ترامب، اقسم رسميا بانني سأؤدي مهام رئيس الولايات المتحدة باخلاص وبان ابذل كل ما في وسعي لحماية وصون والدفاع عن دستور الولايات المتحدة، فليكن الرب بعوني"  بعد رفعه للإنجيل "
 
هذه الأفعال الترامبية فتحت باب النقاش مُجددًا حول مدى علاقة رؤساء أمريكا بالله، وكيف تؤثر قناعاتهم الدينية على القرارات المصيرية التي يتخذونها بحقِّ كافة شعوب العالم، وهل أمريكا دولة علمانية أم أن الدين يلعب دورًا رئيسيًّا في رسم سياساتها؟
 
الإنجيل.. مفتاح أمريكا المقدس
ينصُّ الدستور الأمريكي على «علمانية الدولة» وفصل الدين وتأثيرات رجاله بشكلٍ تام عن سُلطة الحُكم، وهو ما قد يعتبره البعض مؤشرًا على اتخاذ واشنطن موقفًا عدائيًّا أو حتى مُحايدًا من الدين ومن الإيمان بالله، وهي في الواقع أبعد ما تكون عن ذلك.
 
فالوثيقة التأسيسية لإعلان الاستقلال تحدثت عن الخالق باعتباره «الراعي للحقوق»، كما اعتبر الكاتب الصحفي بيل فلاكس، أن الثورة الأمريكية على الاحتلال الإنجليزي كانت في أصولها حدثًا دينيًّا، كما أن "المبادئ العامة التي أرساها الآباء المؤسسون خلال الاستقلال هي المبادئ العامة للمسيحية" .
  In God We Trust»، والتي اعتمدها الكونجرس شعارًا وطنيًّا عام 1956م.
 
وخلال فترة رئاسته للدولة أضاف جورج واشنطن للقسم الرئاسي جُملة «ساعدني يا الله» إلى يمين التنصيب، ولا يزال الفائزون برئاسة أمريكا يرددونها، وهم يضعون يدهم على الإنجيل، قبيل تسلمهم مناصبهم حتى الآن، وآخرهم الرئيس ترامب.
 
إذا ذهبت إلى فلادليفيا فستجد أن أحد أشهر معالمها، وهو جرس الحُرية مكتوب عليه اقتباس من الكتاب المقدس يقول: «أعلنوا الحرية في جميع أنحاء الأرض لجميع سكانها». وإذا طرت إلى واشنطن ورغبت في وداع جثمان زعيم أمريكا البارز جورج واشنطن، فستكتشف أن عبارة لاتينية كُتبت على نُصبه التذكاري تقول الحمد لله
 
   «LAUS DEO»     .
أما إذا قادك الحظ يومًا ودخلت غرفة القراءة في مكتبة الكونجرس فستجد نقوشًا مُنتقاة من الإنجيل تدعو إلى الإيمان والرحمة و"مجد الله "
 
ولهذا فإن ترامب ليس وحده الرئيس الأمريكي الذي اعتبر أن الإنجيل هو المفتاح، فنادرًا ما لم يُجاهر أي رئيس أمريكي أو مرشح انتخابي يسعى للوصول إلى البيت الأبيض بالحديث عن احترامه للإنجيل وحبه له واللحظات الخاصة التي جمعته به في طريقه للإيمان، بل اعتماده عليه في اتخاذ القرارات الحاسمة.
 
وفي هذه الأجواء يُمكننا فهم كلمات الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (1882م- 1945م)، أكَّد على أهمية الكتاب المقدس في التاريخ الأمريكي بقوله: «لا نستطيع قراءة تاريخ صعودنا وتطورنا كأمة، دون حساب المكان الذي احتله الإنجيل في صياغة تطور الولايات المتحدة الامريكية
 
ولهذا لم يكن غريبًا عليه أن يعتمد على الإنجيل في خطاب ألقاه عام 1942م بعد شهر واحد من دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، اعتبر فيه أن أمريكا تُقاتل من أجل حماية الإنسان من الأشرار وجلب العدالة له؛ إيمانًا بما جاء في سِفر التكوين من تكريم ومساواة للبشر بأن "الله خلقهم على صورته" .
 
وفي 6 يونيو 1944م، انضمت القوات الأمريكية إلى جيوش الحلفاء خلال هجومها شواطئ نورماندي لطرد النازيين من فرنسا، فظهر روزفلت في خطابٍ عام للأمريكيين دعاهم به للدخول في صلاة معه طلب فيها من الله مساعدة الجنود الأمريكيين في مساعيهم للحفاظ على الجمهورية والدين والحضارة، وأنهى خطابه بـ "ساعدنا الهنا القدير"».
 
هذا الاشتباك المبكر بين الدين والسياسة في أمريكا كان أحد الأسباب الرئيسي للدعم الأزلي الذي نالته إسرائيل من حكام البيت الأبيض، فهو لا يقوم فقط بناءً على اعتبارات سياسية واقتصادية تبحث عن المصلحة الأمريكية، وإنما يرتبط أيضًا بما بينهما من إيمان مُشترك بالإنجيل الذي وعد بعض أسفاره اليهود بالأرض الموعودة، لذا كان العمل على تحقيق هذا الحلم والعناية به فضيلة دينية تسابق قادة أمريكا في الإعراب عن تسابقهم على تحقيقها.
 
فنري  الرئيس هاري ترومان (1884-1972) الذي سبق أن اعتبر أمريكا «أمة مسيحية» تأسست «من قِبَل رجال يؤمنون بالله» كان أسرع زعيم   اعترافًا بدولة إسرائيل عام 1948م،       قبل انتهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين بعشر ساعات.
 
وبخلاف ذلك فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل أكبر من أن يُحصر في موضوع واحد، ولكن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن الخلفيات التوراتية لعبت دورًا حاسمًا في تطوير هذه العلاقة التي غيَّرت شكل منطقة الشرق الأوسط.
 
وفي مجالات   كثيرة عبَّر خلالها قادة أمريكا عن قناعاتهم الدينية الانجيلية وتأثيرها في قراراتهم، لكن هذا المزيج (الديني/ السياسي) تجلَّى بوضوح في عهد رونالد ريجان  تم وصفه بأنه  الأكثر تدينًا في تاريخ أمريكا حيث يقول
.
    "أؤمن من كل قلبي أن الوقوف من أجل أمريكا يعني الوقوف من أجل الله".
 
وخلال خطاب تنصيبه رئيسًا لأول مرة لم يتردد رونالد في الإعلان عن قناعته بأن أمريكا أمة تحت رعاية الله، وأن الله اختارهم عمدًا ليكونوا أحرارًا
ولا عجب في ذلك، فالرجل يُعتبر مثالًا دامغًا على عُمق تأثير الدين على السياسة الخارجية الأمريكية، وكان ريجان يتخذ معظم قراراته السياسية أثناء توليه الرئاسة الأمريكية من منطلق مفاهيمه التوراتية.
 
وتسببت محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها عام 1981م لتعميق إيمانه، واعتبر أن هذه المحاولة «دعوة من الله للاستيقاظ»، وأكد أن كل ما سيفعله من هذه اللحظة سيكون لله وحده.
 
 وحقَّق ريجان وعده فأمر بالسماح بالصلاة في المدارس، ومنح القس الشهير بيلي جراهام وسام الحرية الرئاسي، وسمح له بحضور اجتماعات مجلس الأمن القومي خلال مناقشتها احتمالات وقوع حرب نووية مع روسيا.
 
كما أعلن أن 1983م هو «عام الكتاب المقدس»، ودعا الأمريكيين للاستجابة لهذه الدعوة بِاعتبار أن "الإيمان بالله هو الصخرة التي تأسست عليها هذه الأمة العظيمة ".