الأقباط متحدون - عودة للجذور
  • ١١:٣٢
  • الاثنين , ١٩ يونيو ٢٠١٧
English version

عودة للجذور

منير بشاي

مساحة رأي

٤٩: ٠٩ ص +02:00 CEST

الاثنين ١٩ يونيو ٢٠١٧

تعبيرية
تعبيرية
بقلم منير بشاى
        لاقى مقالى السابق عن ذكرياتى فى اسيوط القديمة ردود فعل ايجابية فاقت توقعاتى.  وطلب منى العديد من القراء ان انشر سلسلة من هذه الذكريات.  وتلبية لهذه الرغبة قررت ان انشر تباعا هذه الذكريات ثم اطبعها فى شكل كتاب مدعم بالصور بعنوان "أيام وليالى" باللغتين العربية والانجليزية.  ومن الطبيعى ان تكون هذه الذكريات بعضها سعيد وبعضها مؤلم ولكن كلها مفيد.  ومن هنا جاء عنوان الكتاب. واليكم الحلقة الأولى: 
    لعل انسب نقطة للبداية هى البحث عن الجذور.  وجذور كل مصرى هى الارض، الارض حرفيا، فمنذ آلاف السنين ارتبط المصريون القدماء بالارض يزرعونها ويعيشون من خيرها، ولم يعرف عنهم ولعهم بالتجارة او السفر خارج بلادهم.
 
        اى متابع لجذور عائلتنا يدرك انها ترتبط بمدينة اسيوط فى صعيد مصر حوالى 380 كيلومترا جنوب القاهرة.  وهناك أعمام لى ولدوا وعاشوا وماتوا فى اسيوط دون ان يركبوا القطار حتى للمدينة المجاورة.  كانت اسيوط دائما هى المكان الذى يصفونه باسم "بلادنا" وكانها دولتهم القائمة بذاتها.  لا غرابة اننى بعدما أن تخرجت وقررت العمل فى القاهرة اعتبرتنى امى اننى هاجرت بلادنا.  وكان هذا قبل ان اهاجر مصر كلها.
        تاريخ مدينة اسيوط يقول انها ترجع الى العصر الفرعونى.  وكان اسمها القديم "سيوط" ومعناه "الحارس" باللغة المصرية القديمة.  وعرف عن اسيوط انها انضمت الى طيبة "الاقصر" فى نضالها للتخلص من الهكسوس.  وفى وقت اضطهاد الرومان للمسيحية قيل ان المسيحيين نزحوا للبلاد النائية القليلة الكثافة مثل اسيوط هربا من الاضطهاد.  وربما لهذا السبب احتفظت اسيوط بنسبة كبيرة من سكانها من المسيحيين الى هذا اليوم.
        عن اسيوط قال الرحالة ابن بطوطة انها مدينة رفيعة واسواقها بديعة.  وقد اخذت شهرتها من كونها مركزا رئيسىا للقوافل التجارية للواحات بالصحراء الغربية ولانها بداية طريق الاربعين الذى يصل الى دارفور وكردفان بالسودان.
 
        تفتخر اسيوط بانها انجبت العديد من مشاهير المصريين منهم جمال عبد الناصر والبابا شنودة الثالث وشاعر النيل حافظ ابراهيم ومصطفى لطفى المنفلوطى  وسينوت حنا باشا واستر فانوس.  ومن اسيوط خرج الفقيه الاسلامى المعروف جلال الدين السيوطى.  ومن اسيوط ايضا خرج الفقيه الاسلامى المتشدد سيد قطب.  واسيوط موطن للكثير من العائلات القبطية الثرية مثل الخياط وويصا ودوس وألكسان.
 
        فى هذه البقعة من ارض مصر عاش بطريرك عائلتنا "بشاى" والمعروف عنه انه كان مزارعا هو ومعظم اولاده.  وقد انجب بشاى خمسة ذكور وبنتين.  وكان ابى "عشم" الابن قبل الاخير.  اما الابن الاخير (آخر العنقود) فيبدوا انه كان الابن المدلل وهذا واضحا من اسمه "سيدهم".  ومن سخريات القدر ان "سيدهم" يكون من لم يقدر له النجاح فى الحياة.  وشخصيا لم ارى عمى سيدهم الا قبيل وفاته.  كنت اعلم انه موجودا فى مكان ما فى مصر ولكن لا احد يعلم اين هو.  ثم عرفت انه بعد ان زوجوه وانجب ولدا ترك عائلته وهام على وجهه فى بلاد مصر، وقيل انه لم يوفق فى الحياة مع زوجته.  وفى يوم من الايام سمعت ان عمى سيدهم سيعود وفعلا جاء ولكنه كان مريضا جدا.  وبعد ايام من مكوثه معنا توفى وكنت وقتها دون العاشرة من عمرى.
        اما ابى فلم يعمل فى الزراعة مع ابيه.  ارسله والده ليتعلم صناعة الذهب وبدأ كصبى عند احد كبار المعلمين فى المهنة فى الصاغة بمدينة اسيوط.  ولذلك لم يذهب ابى للمدرسة ولم يكن يعرف القراءة والكتابة ولكنه تعلم كيف يرسم امضائه على الفواتير.  ومن اجل ذلك كان حلم ابى ان يتيح لاولاده التعليم الذى حرم هو منه.  ولم يقبل ان يحتفظ ولو بواحد من اولاده ليتعلم المهنة كما كان يفعل زملاؤه فى المهنة.
 
        كبر ابى واصبح له محله الخاص وعندما قارب سن العشرين فاتحه ابوه فى موضوع الزواج.  وتقول القصة ان ابى نكّس راسه خجلا من ان يفصح عن رغبته ففهم بشاى ان السكوت علامة الرضا.  وهنا بدأت محاولة اخذ رايه في من تكون الفتاة التى راقت فى عينيه.  وحتى هذه لم يكن من السهل ان يصرّح به.  وفى النهاية قال لابيه "اللى تشوفه يا ابويا بس اللى تختارها تكون تعرف تفك الخط حتى تساعدنى فى قراءة الفواتير"  ثم عرض بشاى على ابى اسم فتاة فوافق عليها.
 
        نزل بشاى ليقوم بمهمة التعاقد على عروس لابنه.  وذهب لاسرة الفتاة وقابله اباها وعلمت ام الفتاة هدف الزيارة وكانت تتنصت من وراء الباب.  لم يمانع ابو الفتاة على العريس ولكن جاء دور المهر.  اخرج بشاى كيسا واعطاه له فعد المبلغ ووجده 20 جنيه ذهب.  ولما عرفت الام اعترضت وقالت "لا بنتى متتجوزش بعشرين جنيه".  احس بشاى بالاهانه فاخذ النقود وخرج.
 
        بالمناسبة الجنيه الذهب يساوى حاليا حوالى 5 آلاف جنيه مصرى وفى ذلك الوقت كان مبلغا لا يستهان به.    وكان كل اب قادر يدخر لابنه 20 جنيه للبدلية (الاعفاء من التجنيد) ومبلغا آخر يزيد او ينقص مهرا لزواجه.
 
        ولكن القصة لم تنته.  لأن بشاى لم يعد لابنه ليعلن فشله فى المهمة.  ولكنه ذهب مباشرة الى اسرة اخرى كانت عندهم بنت تنطبق عليها الشروط وان كان ابى لم يخوله للاتفاق على  خطبتها.  وكانت اسرة هذه الفتاة ترتبط مع بشاى بصلة قرابة وكان والد العروس واسمه "خلة" يخاطب بشاى "خالى".  قرع بشاى على الباب فظهر "خلة" من البلكونة فلما رآه بشاى قال له "وانت كمان عايز تاخدهم ولا مش عايز؟"  رد خلة من فوق "ايه دول يا خالى اللى آخدهم؟".  فتح خلة لبشاى وعرف انه يطلب ابنته ليديا لعشم.  ولم يكن المال عقبة  فكان الرد "البنت بنتى والولد ولدى ومن غير فلوس خالص يا خالى"  وخرج بشاى ليعلن لعشم عن الفتاة التى ستصبح زوجته.
 
        جدير بالاشارة انه بعد ان كبرت وعرفت عن المرأة التى كادت ان تكون زوجة لابى واما لاولاده، شكرت الله ان تلك الزيجة لم يقدر لها النجاح.
 

 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع