CET 13:42:13 - 03/06/2009

مساحة رأي

بقلم: د. صبري فوزي جوهرة
شرع الكثيرون من الدهماء والجهلة والببغاوات والعميان من المتعصبين في معاودة الهذيان بأن أقباط الولايات المتحدة يعملون على "الاستقواء" بها على مصر، أعداد ممن يحسبون على البشرية ظلمًا يلوثون السمع والبصر بما لا يفقهون، فمن أين جاء علمهم بالممارسات السياسية في بلاد التي يحكمها القانون وتسودها الديمقراطية وقد ولدوا وقضوا سنوات حياتهم البائسة تحت نظام شمولي لا شاغل له سوى إذلال الشعب والسيطرة التامة على ما يقول ويفعل ويفكر بل ويعبد أيضًا بقوانين الطوارئ وحشود البوليسيين ممن يطلق عليهم "رجال الأمن" والآلاف من مرتزقة وسائل التضليل التي يطلقون عليها صفة الإعلام كذبًا وزورًا؟!
يجدر بالأصاغر القائلين بالاستقواء أن يتعلموا ما لم ترقى إليه أفهامهم، وهو أن للمواطن الأمريكي الحق في إحاطة الرئيس برأيه وتوجيهه إلى ما يريد له أن يفعل بأموال الضرائب التي يساهم بها، من ثم كان لأقباط الولايات المتحدة أن يطالبوا رئيسهم بصرف أموالهم على ما لا يُضر بذويهم في مصر وهم رازحين تحت وطأة التفرقة والتهميش والاضطهاد.

لم ينادي أحد منّا بقطع المعونة عن مصر بل نطالب بمنع السُلطة التي تبتلع هذه المعونة من إنفاقها على ما يضاعف معاناة الأقباط في البلاد.
مصر اليوم تعاني من درجات الهوان والاستضعاف قدرًا جعلها في غير موقع "المقاوحة" والمكابرة مع أحد خاصة الولايات المتحدة. وإن كان هناك "استقواء" فما هو يا ترى الاستقواء الأعظم وقعًا؟ المطالبة بحقوق الأقباط المشروعة والمُطنَش عليها أم السيطرة التامة على تسليح وحجم وقدرات وتحركات جيش مصر كما هو واقع الأمر اليوم؟
أقول هذا وأضيف إنني لا أعتقد إن الولايات المتحدة تسعى إلى المزيد من السيطرة على مصر، فقد تشعبت مشاكلها إلى حد لا يسمح لها بإدارة شئون دولة تعاني بقدر ما آلت إليه أحوال مصر من تدهور حتى  أصبحت سيدة الشرق الأوسط المريضة كما كانت الدولة العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى مع الفروق.

وبالرغم من هذا -بل ولدواعيه- فأن الولايات المتحدة ترنو لأن ترى مصر وهي دولة مركزية في الشرق الأوسط بحكم حجمها وماضيها, تتمتع بالرخاء والاستقرار لتستمر في تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة.
أما عن القائلين بالاستقواء فهل تفضلون بقاء أحوال مصر على ما هي عليه وقد أصبح التعليم فيها بكافة مراحله والعناية الصحية بشعبها على أدنى مستوياتها؟؟! على ما هي عليه من فشل واضطراب؟! ناهيك عن العصف بحقوق الإنسان وامتهان الرجال المكلفين بحماية النظام لكرامة المواطن الأعزل؟!
وما اعترى القضاء المصري من تسييس وفساد وتخبط بين قانون منصف وأحكام شريعة لا تصلح لعالم اليوم؟ ألا ترون -وإن امتنعتم عن قول الحق- إن الحياة خارج مصر أصبحت هي الحل الذي يرنو إليه شباب اليوم مغامرين في سبيل ذلك بالحياة وبالقليل مما لهم من المال بالرغم مما يعتلي جباههم من زبيب ويلتصق بأقدامهم من زنانيب؟ بذمتكم مش تتمنوا أن تدير أمريكا شئون مصر على الأقل إلى أن تنصلح الأحوال ونعود إلى ما كنّا عليه قبل كارثة 1952؟؟

على أي حال لا أظن أن أمريكا على استعداد أن تتولى هذه المهمة المستحيلة لعدم رغبتها في التورط في مشروع فاشل وإن وقف الـ 80 مليون مصري في طابور "أخر نظام" (مش زي بتوع العيش) أمام الرئيس باراك حسين علشان يستعطفوا أصوله الإسلامية ويبوسوا أيده علشان ينجدهم مما هم فيه!
هذا بالإضافة إلى أن أمريكا تدير أمورها مع مصر فعلاً كما تريد وليست في حاجة إلى المزيد من النفوذ، ففي استطاعتها على سبيل المثال أن تجعل كل معدات وأسلحة الجيش المصري خردة في فترة قصيرة من الزمان.
فيا بتوع الاستقواء بدل كلام البغبغانات الغبية عنه فوقوا لروحكم وصلحوا أحوالكم وافهموا الدنيا ماشية أزاي، فأنتم عاملين زي العيل الذي يحاول الصعود على سلم كهربائي (escalator) نازل إلى أسفل: لن يصل إلى أعلى الدرج طول عمره -هذا إن لم يقع ويُدهَس وتنقصف رقبته-.

ما أرجوه لكم هو أن يطيب الرئيس أوباما خاطركم بكام كلمة فاضية ولا مليانة تخفف عنكم آلام الفشل والخيبة دون أن يخدعكم بأن يترك فيكم انطباعًا خاطئًا بأنكم خير أمة أُخرجت للناس أو أن أمريكا جاية تبوس أيدكم وأنه مهما دهولتم في مصر ستقابلوا بالتصفيق والاستحسان وبالتالي عندكم تصريح بالاستمرار في طريق الندامة الذي تتبعونه الآن وأنتم في غيبوبة دينية. الموضوع مش كده أبدًا.
المصيبة الكبرى إن هذا كله يحدث لمصر: أغلى وأقدس مكان في عقول وقلوب الأقباط وإلى الآن يبدو أن لا حول لهم ولا قوة للعمل على إنقاذ وطنهم, ولكن مهلاً فالعالم يسير تطلعاتنا ولن توقف الخرافات والأكاذيب والهلوسات والعدوانية والشر عجلة التاريخ. أنها تدهس مَن يعترض طريقها. والنبي صدقوني!

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٥ صوت عدد التعليقات: ٨ تعليق