CET 00:00:00 - 04/09/2009

مساحة رأي

بقلم: محمود الزهيري
إذا أطل الإستبداد برأسه , نادي عليه الطغيان وقال له : أنا هنا خذني معك , وبحث عنهما الفساد ليكون الزميل الأصدق لهما !!
في ظل هذا الثالثوث الإجرامي يغيب دور المجتمع وينعدم دور الدولة ويصبح النظام الحاكم باحثاً علي الدوام لإستمرار إستبداده والحفاظ علي منظومته الإستبدادية بترجيح كفتي الفساد والطغيان علي الدوام فهما ضمانة وجوده وإستمراره .
وكان من الأجدر بنظام الإستبداد أن يستعين بالأجنحة الأمنية والإعلامية فقط في ظل غياب الدولة وغياب دور المؤسسات والفصل بين السلطات , ولكنه علي علم تام بما يلزم لهما أجنحة دينية وسياسية تساعد في التوظيف الفعلي والمباشر علي بقاء الإستبداد بإعتبار أن هذه الأجنحة السياسية والدينية يكون ميلها للفاشية أوسع تأثيراًعلي الغوغاء والجمهور والدهماء والسوقة لتصنع الفاشية بدورها صنم الديماجوجية حتي يسهل توظيف إستخدامات الجهل في صورة أدوت سياسية تصب في خزينة أصحاب المصلحة , وهذه بدورها تصنع عقداً إجتماعياً يستبقي علي جنة الإستبداد لتكون جنة الدنيا من حق أتباع منظومة الفساد والإستبداد والطغيان كناتج للمثمرات الإجتماعية التي خلقتها الديماجوجية الموظفة للجهل والتخلف ونواتجهم كأدوات سياسية .
ومن ثم كانت الجنة المؤجلة للآخرة , من حظ ونصيب الغوغاء والدهماء والسوقة من الجمهور , وهذه هي المعادلة المصنوعة بمعرفة وإرادة الإستبداد والطغيان والفساد .

مصر تمثل حالة لها قدر من الخصوصية بنسبتها التاريخية والجغرافية والثقافية , فتاريخ الإستعباد والطغيان يملء صفحات التاريخ المصري بإستثناء بعض الومضات الرائعة التي أنارت جنبات التاريخ في حينها , وبخلاف هذه الومضات مازال الإستبداد والطغيان المصري مصراً علي أن يظل الإنسان المصري مبحراً في سفينة العبيد بقيادة الإستبداد والطغيان والفساد  , وعن الجغرافيا التي كانت سبباً ومطمعاً لكل قوي الإستعمار أن تستخدم مصر كقاعدة لها ومركزاً لقيادة العمليات الإستعمارية والإنتهاب الحضاري .
أما عن مصرالثقافية فقد أراد لها البعض أن تكون نهب مشاع للتيارالديني الأصولي بروافده الحنبلية السلفية التراثية الغير متوائمة مع لغة العصر وحضارته , وفي ذات الوقت هذه التيارات متخاصمة مع الروافد العقلانية في الثقافة الدينية البعيدة عن أدوات الوصاية والإقصاء للآخر , أما التيارات الأخري فهي تريد أن تكون مصر ذات هوية عروبية سياسية , وفي ذات الوقت تتجاهل عن عمد العروبة الثقافية , ومابين السياسي والثقافي تقبع الأزمة وتسكن , حال كون تحقيق العروبة السياسية أمراً بعيد المنال أو ضرباً من ضروب المستحيل , وترافقها كذلك العروبة الثقافية التي يهرب بها تيارها إلي لغة التراث والمعاجم والمصطلحات , وتبقي العروبة الإقتصادية العاجزة الكسيحة بين الدول الناطقة بلغة الضاد لتكمل مأساة الأمة العربية التي لاتحمل من المصطلح فقط إلا كلمتين , الأمة , والعربية , ولاتزيد  حروفهما عن أحد عشر حرفاً فقط .

في مجتمعات التخلف والرجعية والإستبداد والطغيان تبرز ظاهرة الأقليات الدينية وتختفي دولة المواطنة .
الأقباط كلغة هم المصريون , وغالباً مايتم الخلط بين الديني والوطني في هذا المصطلح الشائع الإستخدام , فالغالبية تتفهم مصطلح الأقباط علي أنهم المسيحيين , والتيارات الدينية بتشكيلاتها المتعددة تقرأ هذا المصطلح بمفهوم النصاري , وطبقاً لما سبق الحديث عنه فإن كلمة الأقباط تستخدم للتمايز بين المسيحيين المصريين , وغيرهم من المصريين وعلي سبيل التحديد المسلمين المصريين بما يحملون من إرث تراثي ديني وظفت مفاهيمه السلفية التراثية علي تقسيم العالم علي دار للكفر , ودار أخري للإيمان أو بلغة سلفية تراثية فسطاط الكفر , وفسطاط الإيمان , والمسلمين حسب المفهموم الديني التراثي السلفي ,حسبما يعتقدون أو يظنون أنهم اصحاب دار الإيمان حصرياً ولا يشاركهم فيها أحد خارج عن دائرة إيمانهم الديني , ومن ثم تصبح مفاهميم الجهاد والحرب والقتال وإن كانت عاجزة عن التشكل والتكوين إلا في بؤر جغرافية يسودها الجهل والتخلف والإستبداد كالصومال وأفغانستان واليمن والسودان وبعض البؤر الأخري ذات الصراعات الدموية التي تسعي من خلال تفعيل لغة الدم والإقصاء إلي تطبيق الشريعة الإسلامية حسب المفهوم منها لدي هذه الجماعات , وحصر تطبيقاتها في المفهوم منها علي الولاء والبراء بماتستتبعه هذه العقيدة من تبعات تنتهي إلي مفهوم إمبراطورية الخلافة الإسلامية .
ويظل التخوف القبطي المسيحي بمفهومه الديني صاغراً وجهه بين نار الإستبداد والطغيان السياسي الموظف للفاشية الدينية , وبين هذه الفاشيات الدينية العنصرية المقصية للآخر في الدين والمعتقد .

تناولت الأجهزة الرسمية الإعلان عن الإضراب القبطي المحدد له 11سبتمبر 2009 الموافق رأس السنة المصرية بنوع من التحقير والإذدراء شأنها في ذلك شأن تيار الإسلام السياسي بأجنحته الدينية والعروبية  , أولا ً لأن النظام الحاكم متحالفاً مع التيارات الدينية وبينه وبينهم عقود إذعان علي شرط التوظيف للتخديم علي الإستبداد , وهذا يسري مع المؤسسات الدينية الرسمية شأنها في ذلك شأن التيارات الدينية الغير رسمية , ويقع في دائرة هذا التحالف الكنيسة المصرية ذاتها والتي تقف ضد هذا الإضراب القبطي المتفق علي تفعيله يوم 11 سبتمبر 2009  , ويذهب فريق من المسيحيين المؤيدين لموقف الكنيسة إلي إستخدام نفس شعارات التيارات الدينية التي بشعارتها وكأنها تؤيد الإستبداد وتحرم من هم معها من الجنة الآنية ولوجاً لجنة أخري مؤجلة ومن ضمنها هذا الشعار :
البرّ يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية... ليس بالإضراب - ولا يوجد اضطهاد... بل بالرجوع إلى الرّب والحياة معه".
وهذا الشعار يخلط بين الديني والسياسي حال كون الحياة مع الله أو الرب ليس معناها الهروب إليه من الدنيا ومطالب عباد الله أو أبناء الرب , لأنه من السهولة بمكان واليسر بزمان أن نسعي في كلا الطريقين .
وأظن أن هذه المخاوف من إضراب 11 سبتمبر 2009 الذي يوافق رأس السنة المصرية , هو ذاته تاريخ الإعتداء علي رمز الحضارة العصرية بتفجير برجي مركز التجارة العالمي , وتفجير مبني وزارة الدفاع الإمريكية , وهذا التاريخ المزلزل الذي يظهر صورة المسلمين بصورة الإرهابيين لدي البعض , ويتيح الفرصة لآخرين بإلصاق التهم بالإسلام ذاته !!

ولكن تحليل الخوف في مغزاه الديني يرجع إلي أن الكنيسة المصرية وكأنها تخشي من فقد السيطرة الكهنوتية علي شعب الكنيسة من خلال المطالب السياسية وإن بدت في جوهرها مطالب إجتماعية ذات مثمرات إجتماعية للمصريين ككل , ويضاف إلي هذا التخوف تخوف النظام الحاكم من فرط عقد الوصايات السياسية التي يفرضها علي الكنيسة المصرية خاصة وأن المسيحيين المصريين أصبح لهم أذرع خارجية تحمل ألوية المطالب السياسية والإجتماعية والتي تمثل أوراق ضغط علي النظام المصري في دفعه تجاه الدولة المدنية والتي يعتبر مجرد ذكرها بعبع أو عفريت من الجن يخيف ويرعب النظام الحاكم لأنها مناقضة لمذهبه وأهدافه لأنها ضد الإستبداد والطغيان ومع الديمقراطية والحريات وتداول الحكم والسلطة وتمثل بحق دولة المواطنة , وهذا ما أرتعب منه النظام الحاكم أثناء زيارة الرئيس المصري مبارك الأب للولايات المتحدة الأمريكية الذي أرسل مندوبيه ومؤيديه لتهدئة أقباط المهجر ومنع بل ومحاولة إفشال التظاهرات ضده في أمريكا , وكان للكنيسة المصرية دور في ذلك .
أن هذا الإضراب يجعل المسيحيين المصريين يتساووا مع باقي القوي السياسية والإجتماعية في التعبير عن مطالبهم السياسية والإجتماعية , وهذا مكمن خطر للنظام الحاكم , لأن النظام الحاكم إعتاد علي أن يستخدم المسيحيين كورقة أمنية تارة , وورقة سياسية تارة أخري , وهذه تمثل ضياع فرص إستمرار بل بقاء النظام الحاكم في السلطة وتعجل من إنهياره , خاصة وأن أعداد المسيحيين ليست ببسيطة كما يشاع في دولة لاتمتلك البيانات التي ترتقي لمرتبة الشفافية وهذاماتدلل عليه وتؤكده المبالغ التي يدفعها المسيحيين كضرائب للدولة المصرية والتي يستفيد منها النظام الحاكم ذاته , ويمكن لهذه الأعداد أن تصطف في النقابات والهيئات لتمثل وتشكل قوي ضاغطة لنيل حقوقها المهدرة بإرادة النظام , وإلا ماذا يعني أن هناك نصوصاً دستورية وقانونية تساوي بين المصريين في الحقوق والواجبات ثم يتم الإنتصار لجانب علي مصلحة جانب آخر , فهل هناك من يخيف النظام ويجعل النظام الحاكم مستمرءاً هذه الحالة؟

ويؤكد هذا الخوف أن هذا الإضراب يوافق يوم أجازة رسمية يوم جمعة , كما أنه في يوم رمضاني , فلماذا هذا الخوف  الذي ينتاب النظام الحاكم ومؤسساته وأتباعه من المسلمين والمسيحيين علي المستوي الرسمي أو الشعبي ؟!
هل المطالب التي أعلن عنها هذا الإضراب قالت برحيل هذا النظام , وقالت له كفاية إستبداد وطغيان , أو قالت له كفاية إرتكابك جرائم في حق المصريين مسيحيين ومسلمين وغيرهم , أو قالت هذه المطالب بالفصل بين السلطات وتفعيل دور السلطة القضائية في أعمالها القضائية وإشرافها علي الإنتخابات بشفافية وحيادية ونزاهة , وأعتقد أنهم مرحلياً لن يقدروا علي هذه المطالب ؟!!
أو .. هل طالبت بمحاكمة هذا النظام أمام المحكمة الجنائية الدولية لما إرتكبه من جرائم ضد الإنسانية , أو بمحاكمة هذا النظام أمام أي محكمة دولية أخري , وهذه المطالب قد تكون مؤجلة إلي أن تصبح مصر دولة مدنية تكون السيادة فيها للدستور والقانون  ؟!!

بماذا جاءت المطالب :
نحن مجموعة من المصريين آلمنا كثيرا ما يحدث بين أبناء الوطن من منازعات وحوادث تفرق بيننا في ظواهر هي جديدة على مجتمعنا المصري المتسامح بطبيعته .
وبناء عليه - ولأن مصر غنية بأبنائها المخلصين- قررنا أن نتبنى أصوات هؤلاء المواطنين المظلومين والتعبير عنها بكل الطرق السلمية المشروعة حتى نصل إلى هدفنا الأسمى، وهو دولة المواطنة للجميع، للمواطن فيها نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، فكل من يجد في داخله الحياد والعدل، ويؤمن بأن مصر دوله مدنية، وأن الحرية الدينية مكفولة بقوة القانون لكل المواطنين فليشاركنا في عملنا ضد الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
وكانت المطالب تحديداً : إصدار قانون موحد لدور العبادة , وإلغاء جلسات الصلح العرفية وتسليم الجناة الحقيقيين للقضاء .
وإذا كانت المطالب هذه فلماذا ترفض الكنيسة المصرية هذا الإضراب المدني السلمي بالبقاء داخل المنازل بالرغم من توافقه مع يوم أجازة رسمية وهو يوم جمعة رمضاني , ولماذا تتوافق إرادة الكنيسة مع إرادة النظام الحاكم بأذرعه الأمنية والإعلامية والدينية الرسمية والغير رسمية ؟!!

والسؤال الأخير :
أين الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية , أو التحالف المصري من أجل التغيير , أو شباب 6 أبريل من هذا الإضراب , بل أين باقي القوي السياسية والإجتماعية المهمشة من هذا الإضراب , ولماذا لم يصدر بيان واحد يؤيد أو يعارض هذا الإضراب ؟
أؤيد أن يرتدي المأزومين من أبناء المجتمع المصري السواد من الثياب حتي يكون زي الوطن ناصع البياض .
وحينئذ سنعلم إضراب قبطي .. لماذا ؟!!

Mahmoudelzohery@yahoo.com

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٢ صوت عدد التعليقات: ٦ تعليق