تستعد سوق النفط العالمية لعام مليء بالتحديات، حيث التقارير الواردة من مصادر مختلفة الضوء على تفاعل يتسم بنوع من التشابك بين العوامل التي تؤثر على ديناميكيات العرض والطلب.  الأمر الذي دفع المستثمرين في الأسواق لتكثيف البحث عن تحليل وتوقعات النفط اليوم، وذلك ضمن إطار سعيهم للاستفادة من الفرص التي يمكنهم تحقيق مكاسب استثمارية من خلال تداول النفط عبر شركات الوساطة التي تتيح تداول عقود الفروقات، او عبر صناديق الاستثمار المتداولة والتي تتخصص في تتبع أسهم شركات النفط.

 سيطرت حالة عامة من الخوف بشأن تراجع حجم المعروض من النفط الخام عالميًا خلال الأشهر الماضية، وهي المخاوف التي لم تنجح بعض الإجراءات في تخفيفها على الرغم من ارتفاع إنتاج النفط من الولايات المتحدة. تتعدد أسباب تلك المخاوف أبرزها التخفيضات الطوعية المستمرة من قبل تحالف أوبك بلس، بالتزامن مع تعطل الملاحة بشكل كلي في البحر الأحمر بسبب تعرض الحوثيين للسفن المارة في إطار دعمهم لحركة المقاومة في حربها ضد إسرائيل. بينما يبرز من الجانب الآخر، تعثر الاقتصاد الصيني كأحد أهم الأسباب في تراجع الطلب من دولة تتصدر قائمة الدول المستوردة للخام عالميًا.
كانت البيانات الأخير قد كشفت عن توسع الهيمنة الأمريكية خلال الأشهر الأخير فيما يخص إنتاج النفط، حيث تجاوزت مستويات الإنتاج الأمريكية الأرقام القياسية السابقة بفارق كبير. كان حجم إنتاج الخام في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ 12.9 مليون برميل يوميًا في عام 2023، وهو ما دعم تفوق الولايات المتحدة على منافسيها الرئيسيين مثل روسيا والمملكة العربية السعودية. وقد عزز هذا المستوى غير المسبوق من الإنتاج الهيمنة الأمريكية الهائلة في سوق النفط العالمية، حيث ألغت المملكة العربية السعودية مؤخرًا خططًا لمطابقة مستويات الإنتاج الأمريكية، وذلك في إطار سعيها للسيطرة على تراجع الأسعار.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع نقص المعروض النفطي بعد قرارات أوبك بلس
خلال الشهر الجاري توالت تقارير الهيئات الدولية والمنظمات والتي تضمنت توقعات حول حجم الإنتاج والطلب على الخام خلال العام الجاري. كانت احدث التقارير قد صدرت من وكالة الطاقة الدولية (IEA) حيث تضمن توقعات بتسجيل نقص وشيك في الإمدادات في سوق النفط العالمية طوال العام الجاري. ويُعزى هذا النقص في المقام الأول إلى التخفيضات الطوعية المستمرة من قبل تحالف أوبك بلس وهو التحالف المكون من الدول الأعضاء في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) بالتحالف مع كبريات الدول المنتجة من خارج المنظمة مثل روسيا.  حيث قام الأعضاء الرئيسيون في التحالف بتمديد اتفاقهم التعاوني لخفض إنتاج النفط طوعا. وقد التزمت المملكة العربية السعودية وروسيا والدول المشاركة الأخرى بتخفيضات كبيرة في الإنتاج وذلك لعدة أشهر قادمة.
تهدف قرارات خفض الإنتاج الصادر من المنظمة للسيطرة على الأسعار عن طريق خفض حجم المعروض، مما يحول السوق من حالة الفائض إلى العجز. وعلى الرغم من ارتفاع الطلب العالمي على الخام، خاصة في الربع الأول من العام الجاري، فمن المتوقع حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية أن تتباطأ وتيرة نمو ذلك الطلب مقارنة بالسنوات السابقة.

في غضون ذلك، يتوقع تقرير مارس الصادر عن أوبك أن يبلغ الطلب العالمي على النفط الخام 2.2 مليون برميل يوميا في عام 2024، مدفوعا بارتفاع الطلب من بعض الدول. ومع ذلك، لا تزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن المتغيرات الاقتصادية العالمية، التي تتدفع لعدم استقرار تلك التوقعات أبرزها مخاوف انكماش الاقتصاد في الصين.

تباين أسعار النفط ما بين الآفاق الاقتصادية الصينية وتعطل الملاحة في البحر الأحمر
ساهمت المخاوف بشأن التوقعات الاقتصادية للصين في زيادة المخاوف بشأن الطلب على النفط في المستقبل. وعلى الرغم من إعلان بكين عن هدف نمو متواضع بنسبة 5% لعام 2024، فإن الأرقام التجارية الأخيرة وواردات النفط الخام توفر بعض الطمأنينة. ومع ذلك، فإن التقلبات في معدل نمو قطاع الخدمات في الصين تشير إلى عدم يقين في المستقبل، مما يؤثر على معنويات السوق واتجاهات الأسعار.


على الجانب الاخر، تمثل التحديات الجيوسياسية خاصة في منطقة الشرق الأوسط بعض الدعم لسعر الخام، حيث نجحت جماعة الحوثي في وقف شبه كامل للملاحة في البحر الأحمر، وذلك على الرغم من تواجد قوة عسكرية أمريكية في المنطقة تعاونها بعض الدول الغربية. حيث تهدد الجماعة التي تسيطر على أجزاء من اليمن باستهداف الناقلات البحرية في إطار دعمها لحركة المقاومة الإسلامية حماس في حربها ضد إسرائيل. وحت الان تحقق جماعة الحوثي نجاحات حيث انخفضت حركة المرور في قناة السويس المصرية بشكل كبير عقب تصاعد التهديدات والضربات، حيث حولت أغلب الناقلات البحرية من مسارها الأمر الذي يكلف المزيد من الوقت والتكاليف خاصة مع طول مسار الرحلة، وزيادة تكاليف التأمين، الأمر الذي سوف ينعكس بشكل متزايد على سعر الخام في النهاية. ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط يبدو أن أمد تعطل الملاحة قد يمتد على نحو أطول من المتوقع.