رواية كتبها
Oliver

تعلمت الكتابة منذ طفولتى فأبي كان يعمل فى بيت رئيس الخدم.كنا فى مصر مستعبدين .حتى ظهر فجأة فى شوارعنا موسى .لم نكن نعلم عنه الكثير فهو لم يتربي معنا قرب بيوتنا الطينية.كان بعضنا يعمل فى مزارع بحيرة الماء بيوم ( الفيوم).بعضنا يخرج للرعى أو للخدمة فى بيوت المصريين على إمتداد الطريق من جاسان (بلبيس) حتى بيوم ( الفيوم). تحت ذل المصريين عشنا و قد إعتدت أن أدخل خلسة إلى بيتي لأدون يوميات القهر و أخفى كتابتى فوق الكوة.(شباك فى البيوت الطينية).

لم نكن نحب موسى حتى وقت قريب لكن حين بدأت الضربات أحببناه.مع  الضربات تحسنت معاملة أغلب المصريين لنا. تعلقنا  بموسى  أكثر حتى صار بعضنا يدعوه النبي موسى.

تسع ضربات و نحن لم نخلص من القهر.كل مرة أدخل إلى الكوة لاكتب فلا أعرف كيف أصف الضربة.كل ضربة تجر وراءها آلاف القصص و المواقف .العجائب تسود مصر و الأخبار تأتى أكثر من الضربات.الناس تكاد تجثو فى كل صوب حتى يستردوا حياتهم قبلما يظهر موسى عدوهم.

حتى أخبرنا موسى أنها النهاية.فليجهز كل بيت ذبيحته.من لا يملك يتشارك.أسبوعان يتصاعد فيهما صوت النهاية.كنا خائفين مرتعدين.كنا نتوسل لموسى كي يتراجع أو يكلم الله كما يقول ليحل الأمر بدون دماء.لكنه كان دوما يرد :لابد من الدم.بدون دم لا تخلصون.لم نكن وقتها نعرف بدم من سنخلص هل دمنا أم دم فرعون و جنوده أم دم أولادنا.لم نكن نعرف بأى دم سنخلص حتى أخبرنا أن نعد الذبيحة.

 منذ إنتشر خبر ذبيحة الفصح إرتعد الجميع.بدأ المصريون يدخلون بيوتنا التى كانوا يستنكفون دخولها.كانوا يتسائلون ماذا سيحدث لهم و كنا لا نملك أى إجابة فنحن مثلهم لا نعرف شيئاً.

بعد إسبوعين إجتمع البعض حول موسى فتكلم فيهم ليخبروا الجميع أنه لابد من ذبح الخروف و الأهم من ذلك مسح العتبة و القائمتين بالدم.هذا عهد مع الله بالدم.إمسحوا أبوابكم بالدم فلا يدخلها الموت.أما الذين ليس لهم دم الخروف فكل ما لهم موت و بكاء و عويل من بيت فرعون حتى أبعد بيت فى طيبة .
سمع المصريون أخبار الموت فهرولوا .البعض هرب نحو صحراء منف و البعض جرى نحو بيوتنا ليكون فى البيت الممسوح بالدم.جيران من جنسيات كثيرة دخلوا بيوتنا لأول مرة.جاءوا بذهبهم كي نقبل دخولهم.جمعوا أولادهم و تكدسوا فى الحجرات.لم تعد كتابتى سر فقد سجلت أسماء من تكدسوا في بيتى.إستقبلت عبيد من أرض فوط (الصومال) و من أرض كوش ( إثيوبيا) .و إندس وسطهم بعض المصريين يحتمون ببيتى.هكذا صارت بيوتنا ملاذا بعد أن كان الكل يشمئز منها.

- ذهب بعضاً من بيت شمعون ليسألوا  هرون هل الدم يحميهم هم أيضاً أم أنهم مرفوضون لأنهم  كانوا كما نعرفهم  لصوص القطعان فأجابهم هرون أدخلوا و إحتموا بالدم و سنرى ماذا يفعل ملاك الله غداً.فذهبوا و دخلوا و دخل معهم أيضاً بعض تجار الهوى.هل سيهلكهم الله أم سيخلصهم؟
- كانت ليلة إجتمعت فيها قبيلتان من سبطي لاوى و سبط يوسف (إفرايم و منسي) تصالحا معا بعد شقاق عظيم.تخاصموا لأجل زواج لم ينجح.تصالحوا بدون شروط  خوفاً من الملاك المهلك.لم نعرف كيف سيكون هذا الملاك.ما شكله.ما حجمه؟ كيف سيميت الأبكار؟ كيف نعرف أنه جاء و أنه عبر؟ هل نسمع وقع أقدام الملاك؟هل سيظهر أم سيعبر خفية؟ كتبت الأسئلة فى مفكرتى و صرنا نترقب.

-كانت الناس تتكالب قبل أن يأتى الليل.تشاركنا الذبائح .بدت أى ذبيحة كأنها ذبيحة الكل.البعض حولنا لم يكن يملك في بيته بابا .لا عتبة و لا قوائم.فهؤلاء أيضا هرولوا إلى البيوت المجاورة إذ سمعنا أن البيت الذى بلا صليب (عتبة و قائمتين) هو بيت بلا دم.سيواجه الملاك وحده؟؟؟

فجأة دخل منطقتنا بعض أشراف المصريين.زوجة رئيس السقاة تدارت فى بيت أخى مع إبنها البكر و أخبرته أن  زوجها خشى من فرعون و بقى فى البيت وحده.كذلك فى بيت عمى تجمع أفراداً من بلاط فرعون ذاته.دخل إلى بيت عمى بهيبته رئيس الخدم و جاء رئيس التطييب الملكى بحمولة من الكحل و قنينات فاخرة من زيت اللوتس واللوز المر، زيت الزيتون، وزيت الحبهان .كي يسترضى عمى فيقبلهم فى بيته  و هو كان خادما لهم يستعبدونه لكن الآن أغدقوا عليه بسخاء.من أجل الدم.

- بعد أول مقابلة لموسى و هرون ثقل فرعون التسخير علينا.و كان بين جيرانى بعض الناقمين علي موسى حتى اليوم.لم يتغير قلبهم.بقيوا علي كراهيتهم حتى أنهم كرها فى موسى رفضوا الذبيحة.ليس لهم دم الخروف.دخلوا و أغلقوا على أنفسهم.هؤلاء لم يقبلوا أحدا فى بيوتهم.جلسوا منتظرين الملاك المهلك.
- رأيت من بعيد بعضاً أعرفهم.هؤلاء العبرانيون كانوايتعبدون فى معابد المصريون.يؤلهون فرعون و ينافقون حورس و يتنقلون بين  الإله مونتو إله الحرب حتى الإله ماعت (إله الحقيقة والوئام) .كانت قلوبهم تستغيث ب(ماعت) لينجيهم من هذه الفوضى.لكن رغم ذلك ذبحوا الخروف لعل إله موسى هو الأقوى.هؤلاء لم يكونوا يعرفون عن الله كثيرا لانهم مندمجون بالتمام فى عبادات المصريين و هم يعملون بالبلاط الفرعونى .كان أحدهم يخبئ إبنه البكر تحت التمائم.

دخل الكل بيته.لم يجرؤ مصري و لا عبراني على السير في الشوارع .الرهبة غطت مصر كلها.دخل الليل و الرعب معاً.فى ديارنا نترقب لا نفهم.هل جاء الملاك أم ليس بعد.بين الحين و الحين نسمع صراخاً.نسمع لعنات تستعدى علينا آلهتهم.نسمع صيحات إستغاثة.لا أحد ينقذ أحداً.الدم على الأبواب سر بقاءنا أحياءاً. لم ننم طوال الليل هل رأى أحد الملاك؟.لم نفهم أبداً هذا السر.جاء الصبح.سررنا أنه جاء الصبح. الدم خلصنا من الموت.كيف حال البقية.سمعنا الكثير و كتبته فى أوراقى و دسستها فى الكوة.