هانى دانيال
 اتخذت العمليات الارهابية في الفترة الأخيرة منحنى جديدا في ضوء حصول الإرهابيين على تفاصيل دقيقة تتعلق بالعملية المراد تنفيذها، واستغلال عدة أخطاء من العناصر الشرطية غير المدربة، وغياب استراتيجية واضحة المعالم لمكافحة الارهاب، ليدخل المجتمع مرحلة فقدان الثقة في بعض القيادات وهو أشد خطورة وتأثيرا من هذه الجرائم، وهو ما يشير إلي أن القادم أكثر خطورة، ما لم يتم إعادة ترتيب المشهد بشكل مختلف وآليات واضحة وسط ضمانات كافية تسمح للمجتمع بمعرفة ما يدور بشفافية وحزم.

 
لاشك أن المجتمع يواجه عناصر في غاية الخطورة ومدربة جيدا، وإما أنها تستغل ثغرات واضحة في خطط التأمين، وإما أنها مخترقة جهاز الشرطة بشكل يسمح لها بالحصول على معلومات دقيقة تخص تنفيذ أهدافها، وربما تستغل الهدفين معا وأنا أميل لهذا السيناريو، حيث يحضر في الذاكرة عملية تصفية ضابط الأمن الوطني محمد مبروك من خلال زميله الذي أدلى بمعلومات مهمة عن خط سيره سمحت بتصفيته. كذلك هناك عدد من العمليات الارهابية في سيناء تم تنفيذها من خلال عدة مراحل، تبدأ بتنفيذ عملية انتحارية يتبعها استهداف بالـ ار بي جي، ثم الاشتباك ويلي ذلك استهداف أي تحركات دعم أخرى، وهو ما يعني دراسة المشهد بأكمله قبل التنفيذ، وهو ما يشبه بحرب شرسة على رقعة الشطرنج، وفيها يقوم اللاعب المحترف بشن هجماته مع توقع خطوات خصمه ويتعامل معها بسيناريوهات مختلفة.
 
ونجاح الجماعات الارهابية حتى الآن في تنفيذ اهدافها، وآخرها حادثتي رفح والبدرشين يؤكد صحة ما نشير إليه، وأن العناصر الاجرامية شديدة الخطورة، تواصل تحقيق أهدافها بالرغم من الضربات الشديدة التي تعرضت لها من قوات الجيش والشرطة، ليظل السؤال: متى تنتهي هذه الجرائم ووقف نزيف الدماء؟
 
دعونا نعترف، منع الجرائم الارهابية تماما لن يحدث، وكل دول العالم المتقدم تعاني من خطر الارهاب، ورغم كل الضربات التي تقوم بها لم تنجح بنسبة ١٠٠٪‏ ، وانما قادرة على مواجهة خطر الارهاب، وتقليل سوط المدنيين، والحفاظ على أمن شعوبها، وهذا نتيجة إعداد جيد للعناصر الشرطية، مع استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في مراقبة الشوارع والميادين، مع وضع خطط انتشار تسمح بالانتقال لموقع الجريمة في أقل وقت ممكن، الي جانب مراقبة تجمعات الارهابيين والقبض على المشتبه بهم قبل قيامهم بالجريمة في كثير من الأحيان، وهذا هو الفارق بين مجتمعات متقدمة توفر الأمن لمواطنيها عبر ضربات استباقية، ومجتمعات تنتظر الجرائم حتى تتحرك وتعدل من خططها.
 
بنظرة على تأمين محطات المترو سنجد جهازين او ثلاثة على الأكثر بكل محطة مع ممرات قليلة لخروج ودخول المواطنين، وبالطبع في حالة الطواريء تكون النتائج كارثية، فلا عناصر الشرطة مدربة على خروج آمن للمواطنين ولا ركاب المترو لديهم ثقافة التعامل مع الأمور الطارئة، ومن ثم هناك تأمين على الورق بينما من الناحية العملية هذا غير صحيح، إلى جانب أن كثير من المحطات الأجهزة بها عطل والمسئول عن الجهاز ربما يستخدم هاتفه لتسلية وقت عمله أو يقوم بإجراء مكالمات واما باللهو في تطبيق جديد أو لعبة مشوقة!
 
ومن خلال مشاهدات شخصية، يتواجد على أرصفة المترو بمدينة اسطنبول التركية شرطي ذو لياقة بدنية عالية ويحمل سلاح ناري وأجهزة اتصالات حديثة، مع كاميرات مراقبة، كذلك فى كل من جنيف السويسرية، وبرن وفرانكفورت بالمانيا، أمستردام بهولندا تنتشر كاميرات المراقبة، وتصادف أن حدث اشتباك عنيف بين بعض المواطنين فى فرانكفورت، فما كان من تدخل الشرطة خلال دقائق قليلة.
 
نفس الأمر يتعلق بتأمين الكنائس، هناك أجهزة تم وضعها أمام أغلب الكنائس والأديرة، مع غلق الشوارع المحيطة بها ومنع انتظار السيارات، ولكن هل هناك خطط طواريء للتعامل مع أي خطر؟، هل هناك اهتمام بالأمن الجنائي يسمح بالاشتباه في أي شخص يخرج عن القانون أو تفتيشهم لضمان عدم انتشار الاسلحة البيضاء التي تستخدم في حالات طعن كما حدث مؤخرا في كنيسة القديسين بالاسكندرية؟
 
لماذا انتظار الارهاب أمام أبواب الكنائس والمؤسسات الحكومية بدلا من تسريع وتيرة الضربات الاستباقية لملاحقة العناصر شديدة الخطورة.
 
وبمناسبة وقف الرحلات والمؤتمرات، حاولت استقصاء الأمر من أكثر من مصدر كنسي، وكشف مصدر من الكنيسة الأرثوذكسية بأنهم تلقوا طلبا من الأجهزة الأمنية بشأن الأنشطة والرحلات الصيفية، واخلاء الأمن المسئولية الكاملة من أي رحلات وانشطة، وأن أي كنيسة ستصر على تنظيم رحلات سيكون ذلك على مسئولية المنظمين، وانه في حال حدوث أى شيء الدولة غير مسئولة وغير ملزمة بأي تعويضات، كما تفقدت عناصر أمنية عدد من بيوت المؤتمرات فى الاسكندرية ووادى النطرون وطلبت منهم صراحة اخلاءها من أى أنشطة كنسية.
 
الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، بل أعدت وزارة الداخلية خطة لوضع بوابات حديدية على الشوارع التى تتواجد بها الكنائس من أجل التأمين، مع ضرورة وضع أجهزة الكشف عن المتفجرات خارج هذه الأبواب، ومطالبة الكنائس التى لا تملك هذه الأجهزة بسرعة الحصول عليها وإلا تحمل مسئولية أي عقبات غير محمودة، أما الكنائس المطلة على شوارع رئيسية، فسيتم الاكتفاء بعمل ممر حديدي يسمح بدخول وخروج المصلين حتى لا يكونوا هدفا سهلا للجمعات المتطرفة، وهو ما يعني أن الصلاة فى مصر للمسيحيين ستكون من خلف الأسوار.
 
بينما أكد مصدر مهم من الكنيسة الانجيلية بأنهم تلقوا تحذيرات أمنية شديدة بناء على معلومات استخباراتية أجنبية تشير إلى إعداد تنظيم داعش لعدد من العمليات الارهابية لمصر خلال الفترة المقبلة، وبالطبع الكنائس والأديرة أهداف أساسية للتنظيم، لذا تم منع الأنشطة حتى نهاية يوليو، ومنح الفرصة لحاجزى بيوت المؤتمرات التابعة للكنيسة الانجيلية بتأجيل الموعد أو سحب المبلغ وإلغاء النشاط، على أن يتم تقييم الموقف مع أول أغسطس، وإما مد فترة الحظر حتى نهاية أغسطس أو استئنافها.
 
وبمحاولة أسباب ظهور هذا القرار المفاجيء، كشف البعض بأن هناك سيارة قادمة من مطروح تمكنت من عبور الكمائن الأمنية، وبالصدفة تم اكتشاف أسلحة بها، وبالتحقيق مع صاحبها قدم معلومات تفصيلية عن مجموعات طلبت منه الوصول بالسيارة إلى أشخاص بعينهم دون معرفة أي تفاصيل أخري، وهو ما دعا الأمن إلى إصدار تعليماته بوقف الرحلات والأنشطة لغياب القدرة على التأمين الكامل لها، خشية وقوع أى عمليات ارهابية تضع وزارة الداخلية بل والحكومة المصرية فى مأزق.
 
فى النهاية.. شبح الإرهاب يطارد الجميع، فهل تكون المواجهة على قدر الخطر، أم يبقي الوضع كما هو؟!.. دعونا ننتظر ونراقب.