ذكرنا فى الأعداد الماضية أن هناك عدة مصادر للمشاكل الأسرية، وذكرنا منها المشاكل الشخصية، ونبدأ فى بعض المصادر الثنائية:
 
1- عقل وقلب:
إن الوصفة التى رسمها لنا معلمنا بولس الرسول للأسرة تجعل من الزوج عقلًا للأسرة، ومن الزوجة قلبًا لها، وبالطبع هذا لا يعنى غياب الحنان والحب من الزوج، ولا غياب ضرورة الشركة فى التفكير مع الزوجة، ولكن الصفة السائدة للزوج هى العقلانية، والصفة السائدة للزوجة هى العاطفة.
 
ومع أن هذا الكلام قد يضايق السيدات أحيانًا، ولكن السبب الحقيقى للضيق هو الفهم الخاطئ والإنتقاص من هذا الدور الأساسى للمرأة فى البيت والمجتمع، وهو سكب روح الحب وإضفاء طابع الحنان، هذا دور لا يستطيع الرجل أن يقوم به بقدر ما تعطيه المرأة. ومن الخطر أن يغيب عن حياتنا وبيوتنا ومجتمعاتنا إذا ما أحجمت المرأة عن تقديمه.
 
لو صار الرجل عقلًا، والمرأة عقلًا آخر، سيتناطحان ويختلفان وتتمزق الأسرة.. ولو صار الرجل قلبًا والمرأة عقلًا، لانعكس التوازن فى الأسرة، وصارت الزوجة مدبرة الأسرة، وتشرّب الأولاد والبنات هذا الوضع الشاذ.
 
ولو صار كلاهما قلبًا، تسيبت الأسرة وضاع الأولاد، فليكن الرجل عقلًا.. وعليه أن يحب.
 
- ولتكن المرأة قلبًا.. وعليها أن تتفاهم وتفكر مع زوجها.
 
- لا يتجاهل الزوج دور زوجته بحجة أنها قلب.
 
- ولا تتنكر الزوجة لدورها بحجة أنها متعلمة.
 
فليتكامل الاثنان.. لتسعد الأسرة بالله القادر أن يقدس العقل والقلب معًا.
 
2- التعلق العاطفى بالأم:
من أخطر المشاكل فى الزواج، خصوصًا فى العصر الحديث، هو ذلك التعلق العاطفى الشديد بالأم، سواء من الزوج أو الزوجة.
 
إن محبة الأم أمر مفروغ منه كتابيًا وعلميًا وإنسانيًا، فالأم هى التى أعطتنا كل قطرة دم، وكل نبضة حب. ولكن المشكلة تكمن فى أن يكون الحب تعلقًا عاطفيًا مرضيًا. وذلك حين يرتبط الابن (الزوج) أو الابنة (الزوجة) بالأم بأسلوب اعتماد عاطفى طفولى. ولا شك أن المسؤولية هنا مشتركة بين الأم وابنها أو ابنتها، ذلك لأن تربيتها لهما تكون عاطفية غير روحية وغير عقلانية موضوعية.
 
وهذا الرباط يعطى إحساسًا بتهديد شديد عند الزواج، إذ تحس الأم بحرمان عاطفى، فتشد ابنها أو ابنتها إليها، وتتضايق - شعوريًا أو لا شعوريًا - من الشريك الآخر، الذى دخل إلى حياة ابنها أو ابنتها.
 
ولكن الضيق الأخطر يكون عند الشريك الآخر.. إذ يحس بارتباط شريكه بأمه بصورة شديدة ومبالغ فيها، مما يجعله يهمل فى حقوق ومسؤوليات الزوجية، وتبدأ الفجوة تتسع بين الأم والشريك الآخر، ويبدأ دفاع مستميت عن ضرورة (إكرام الوالدين) (إنت عايز تفصلنى عن أهلى) ويبدأ الزوج فى تذكر الآيات الكتابية: «يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ» (مر 7:10).. «انْسَىْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ» (مز 10:45). «الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ» (أف 23:5).. إلخ.
 
والمشكلة تتفاقم للأسباب التالية:
1- إذا أصرت الأم على تعلقها ولم تتكيف حسنًا مع الوضع الجديد.
 
2- إذا أصرت الابنة أو الابن على تحدى مشاعر الشريك والارتباط الشاذ والشديد بالأم.
 
3- إذا تجاهل الزوج ضرورة أن يأخذ زوجته الصغيرة بالرفق، فى حنان يفطمها تدريجيًا عن هذا التعلق.
 
4- إذا تجاهلت الزوجة مشاعر زوجها، ولم تعط حقه الروحى والعاطفى، وتهتم بالبيت ومسؤولياته.
 
5- إذا كان أحد الطرفين ماديًا وغير مؤمن، ويرفض أن يساعد الشريك الآخر وأسرته، طالما أن هذه المساعدة مطلوبة ولا تخل بمسؤوليات البيت.
 
ولكن جوهر المشكلة فى الواقع الروحى يمكن حله، فإذا ما ارتبطت الأم بالله، وسلمت ابنها أو ابنتها إلى الرب، واعتبرت الشريك ابنًا جديدًا، أو ابنة جديدة، ستأخذ من الرب قوة يعالج بها عاطفتها وعاطفة ابنها وابنتها حسنًا، كما أنها ستأخذ قدرة موضوعية على التدخل فى المشاكل بأسلوب منطقى روحى سليم، فلا تنحاز إلى ابنها أو ابنتها دون وعى وتوجيه سليم.
 
إن الارتباط بالحياة المقدسة الموضوعية هو الدواء الحقيقى الذى يرفع كل الأطراف فوق العاطفة الشديدة، وضرورة الفطام، وفوق الأنانية والمادية والعناد والتحدى والكرامة الشخصية والذات.
 
وإذا كنا قد ركزنا على الأم، فإن هذا بسبب عاطفتها الطبيعية، ولكن هذا لا يعفى الأب من نفس المسؤولية.. وإن كان تدخل الأب عمومًا يكون إما بتأثير زوجته (الأم)، أو بسبب نوع من الكبرياء.
 
إذ يعتبر الخلاف نوعًا من الحرب والتحدى لذاته وكرامته، مع أن دخوله إلى الميدان بروح الأب للطرفين سيكون أنجح وسيلة وأنجح سبيل إلى حل كل المشاكل، وإلى بنيان البيت الجديد.
نقلا عن المصري اليوم