محمود العلايلى
دأب المحللون السياسيون على توصيف أحداث منطقة الشرق الأوسط على أساس تآمرى فى أغلب الأحيان، أو على أساس رد فعل لأحداث خارجية فى أحيان أخرى، وذلك ما يبدو على سبيل العادة أو بالأحرى لأن دول الشرق الأوسط فعلا فى غالبية أحوالها تتسم بسياسة رد الفعل ونادرا ما تتميز بالمبادرة أو المبادءة، والحقيقة أن نغمة الشرق الأوسط الجديد علت نبرتها وقت ما أطلق عليه أحداث الربيع العربى فى 2011 وما جرى فى تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، وبعض ما جرى فى المغرب والبحرين، كما تطل عبارة الشرق الأوسط الجديد أيضا عندما تعلو الدعوة لصفقة القرن سواء من الجانب الأمريكى أو من الجانب الإسرائيلى، وهو ما يدعو المعلقين فى الداخل والخارج ليتسابقوا على تحليل رد فعل الدول الشرق أوسطية ويتنافسوا على استشراف شكل المنطقة بعد تلك الأحداث الكبار التى تبدأ شرارتها الحقيقية ويستمر حريقها مشتعلا بتأثير خارجى، سواء جاءت أشكالها على هيئة ثورات حقيقية أو انتفاضات مسلحة أو حتى موجة اعتراضات على وسائل التواصل الاجتماعى.
 
والحقيقة الأخرى أن الشرق الأوسط الجديد الذى حاولت أن تروج له الولايات المتحدة من جانبها لم يتحقق منه إلا تبديل بعض كراسى السلطة بينما ظلت بعض الدول فى اضطرابات عنيفة إلى اليوم مثل سوريا وليبيا واليمن ومن قبلها العراق، بينما تماسكت مصر وتونس بشكل ممتاز، وتحاول السودان تجاوز أزمتها إلى حد ما، مما يجعلنا نتساءل عما كان يعنى به تعبير «الشرق الأوسط الجديد» فى خيال من خططوا له، وإذا كانت محاولة تشكيل شرق أوسط جديد من خارج دول الشرق الأوسط أزمة كبيرة، فإن الأزمة الأكبر تكمن فى حكام ومواطنى دول الشرق الأوسط الذين لا يرون أن هناك حاجة لتشكيل شرق أوسط جديد، والإشكالية التى تكمن فى تلك الأزمة أن الدول الخارجية لا ترى الشرق الأوسط الجديد سوى بتطبيق الديمقراطية الغربية بمؤسساتها، وهى نفس النقطة التى يعارضها ويقاومها أغلب حكام المنطقة حيث يعنى هذا بالنسبة لهم ضياع الحكم لصالح الفوضى- كما يدعون- أو لصالح تيارات الإسلام السياسى فى أفضل الأحوال.
 
وعلى ذلك علينا أن نحدد إذا كنا نريد شرق أوسط جديدا من عدمه، والأهم أن نحدد بشكل دقيق ماذا نعنى بشرق أوسط جديد، وتقرير إن كان التغيير سيحدث من الداخل أم ننتظر الوقت الذى يملى عليها التغيير فيه، وإذا كان من الداخل فوجب التخطيط من قبل دول المنطقة سواء منفردين أو مجتمعين ليتم التغيير بشكل جماعى أو على التوالى، والحقيقة أن ما أعنيه بالتغيير هنا هو التحول من دول تعيش على الاقتصاد الريعى والاستهلاك فقط إلى دول تعيش على التصنيع والتصدير، ومن دول تقتفى أثر القدماء وتعتمد على الحفظ والتلقين إلى دول تهتم بالخيال والابتكار، والأهم من ذلك كله الاهتمام بالتعليم وبالبحث العلمى الحقيقى الذى سيحدث تغييرا فى هذه المجتمعات بشكل تلقائى حيث يسهم المجتمع الصناعى فى خلق أنماط من الحياه تعتمد على احترام النظام وإعلاء دولة القانون والمساواة بين المواطنين، ويتحمل فيها المواطن مسئوليته عن نفسه وأسرته، وينزوى فيها النظام الأبوى الذى يلقى فيه المواطن بمسئولياته الشخصية والجماعية على القائد والحكومة والمسجد والكنيسة، ووقتها سيكون اختيار المواطنين اختيارا حقيقيا سواء رغبوا فى تطبيق الديمقراطية الغربية كنموذج أو اختاروا نموذجا آخر حتى وإن خالف ذلك، إلا أن ذلك سيعفى المنطقة من المحاولات المستمرة لتغييرها من الخارج، وعلى الجانب الآخر سيجنب حكام المنطقة الرعب من عفاريت وأشباح الديمقراطية المفروضة لأن نظام الحكم وقتها سيكون إرادة واختيار الشعوب، سواء طالبوا بالديمقراطية أو ارتضوا بسواها طالما كان التغيير من الداخل، وليس مفروضا عليهم.