بقلم – روماني صبري 
 
يصبح الإنسان شديد الصدق، ويكشف عن قناعاته وعما يدور في نفسه للآخرين بمحض إرادته حين يتقدم في العمر، ولاسيما بعدما تعرفه الشيخوخة، ليظل يقاوم نفسه ليعيش بكيفية ترضيه وسط عالم لا يتوقف عن الضجيج وإنجاب المزيد، لنقل الكثير من البشر، ومن ضمن هؤلاء عبقري التمثيل "مارلون براندو"، الذي رأى فيه الكثير من محبي الفنون موهبة استثنائية، كونه برع في تجسيد ادوار صعبة لازالت تعيش في الوجدان حتى يومنا هذا، ذات يوما قال "براندو العجوز" انه بات يناهض المقابلات التلفزيونية والحوارات الصحفية، كونها تهدف اليوم لجمع المال، وحين سأله المذيع الأمريكي "لاري كينج"، " ماذا تقصد بقولك هذا، رد العجوز الماكر عليه :" تدرك ماذا اقصد، فهناك شخص يمتلك قصة مثيرة عن آخر، وتقيسون ذلك وفقا للذين يتابعونه، وسوف استشهد بقصة "أوجي سمبسون" – من أهم لاعبي كرة القدم الأمريكية-  ولأنه لا يترك شيئا يمر دون التعليق عليه، لاحظ براندو أن كينج تصبب عرقا، فاخبره بذلك، ليضحك الأخير بوتيرة هادئة، فاختصه ضاحكا :" أراك تضحك .. ما السبب؟"، فرد :" مرد ضحكي انتباهك لذلك!." 

لنعيد السؤال، لماذا يبغض براندو الحوارات التلفزيونية؟ 
ارفض بيع نفسي من اجل جني الأموال لذلك لا أحب المقابلات التلفزيونية، هذه الفكرة ارفضها تماما، وكوني اخترت التمثيل لأجسد ادوار بشر آخرين، سأشير لكم قائلا :" ان الكل يمثل، الجميع في الغرفة الآن يقومون بالتمثيل، كذلك أنت يا كينج تمثل، وأفضل ما أبصرته من أداء تمثيلي، هو عندما يصيح المخرج قائلا :" توقف"، ليقول بعدها حقا لكم قمت بأداء فريد رائع، لكن رغم ذلك سنعيد المشهد من جديد، يقول هذا وهو يعلم كل العلم ان المشهد كان سيئا، ما يعكس ان كافة البشر يخادعون، كذلك الذي يلقي عليك التحية

لماذا اختار براندو التمثيل مهنه له؟
لأن التمثيل الوحيد الذي سيجعلني غنيا، أي المهن تمنح أموالا طائلة مثل التمثيل؟!، براندو كان يطيل النظر في حياته ليحدد المسار الصحيح لها، والكثير من البشر فشلوا في تحديد مسار حياتهم الصحيح، وعلى حين فجأة توقف براندو عن استكمال حديثه، وطلب من فريق البرنامج، منح كينج منديلا لينشف عرقه، فقاطعه الأخير :" لا تهتم براندو، مرد عرقي الإضاءة الخاصة بالتصوير، فرد :" هذا كذب لو كان ذلك صحيحا، لكنت تصببت عرقا أنا الآخر، فاختصه بضحكه وربت على يديه بمودة شديدة، حيث واصل  تمعنه في الأشخاص والحياة، ويكفي ردوده الفلسفية، ثم عاود الحديث :" حققت انجازات في التمثيل وانسب الفضل في ذلك لأستاذتي في المعهد، في الحقيقة جعلوني أبصر فن التمثيل وأدركته، وكثير من البشر لا يعلمون هذا.    

علموك فن تجسيد الشخصيات؟  
"بل كيف أبصر مشاعري الداخلية، وان اذهب صوب عواطفي"، بالحديث عن فيلم "الأب الروحي"، براندو لم يكن زعيم مافيا وقتها، على ارض الواقع لست رجل عصابات، المشاعر التي تنتابك يمكنني كممثل الشعور بها، تستطيع ان تخبر الممثل بحالة معينة، لنضرب مثالا، شخص اعتدى عليك واختص راسك بالضرب، فعرفك ارتجاج المخ، وأنت ممدا على الأرض فرحت تخرف، كممثل يمكنني التعبير عن الخرف الذي أصابك الآن، الممثلون الذين يجسدون شخصيات عرفها الموت، هل ماتوا على ارض الواقع ؟، بالطبع لا، ولكن وجب عليهم تمثيل ذلك.
 
شخصية "دون فيتو كورليوني" في "الأب الروحي"، حين عرضت علي ظننت إنني سأعجز عن تجسيدها ببراعة، وقتها قال لي المخرج "فرانسيس فورد كوبولا"، عليك الخضوع لاختبار تمثيل، فلبيت.
 
ادوار رفضها براندو وندم بعد ذلك؟ 
لا، بل جسدت أدوارا، وبعدها قلت ما كان يجب علي لعبها، وفي الحقيقة لم يكن الأمر ندما، كون الندم يدمر الحياة، ما فات قد فات، وجب على الإنسان الحياة في الحاضر، والاستمتاع باللحظة.

ألا يشتاق براندو للعمل في المسرح؟ 
لا، ومرد ذلك إلى صعوبة العمل في المسرح، فساعات العمل طويلة تجعلك تتصبب عرقا، إلى جانب تكرار الكلام، ولا يعني ذلك إنني اقلل من المسرح واسخر منه، والدليل حبي لشكسبير، ولا التفت لتصفيق الجمهور، فهل تصفيقهم سيجعل براندو يكن الاحترام لنفسه، مهنة التمثيل عميقة، فثمة قصة من صنع الخيال، وعلى الممثل ان يكون جزء منها، حيث يرتاد الناس دور العرض المظلمة مقابل دفع المال، ليشاهدوا بشريا يقوم بالتمثيل!.
 
كان حصل براندو على أوسكار أفضل ممثل عن دوره في فيلم "على الواجهة البحرية"، إنتاج 1954 إخراج إيليا كازان، كما حصل على أوسكار أفضل ممثل عن دوره في فيلم "الأب الروحي 1"، والذي جسد فيه بسحر شديد وأداء يحسد عليه  شخصية رئيس عائلة كارليوني، أكبر عائلات الجريمة في نيويورك.

 بسبب قمع الحكومة الأمريكية للهنود الحمر، رفض تسلم جائزة الاوسكار عن الأب الروحي، ودفع بامرأة هندية لتقرأ رسالة الرفض في حفل توزيع الجوائز، والتي هاجم خلالها هوليوود، ردا على الصورة المغلوطة للهنود الحمر التي تقدمها عبر الأفلام.

من أشهر أفلامه أيضا، التانجو الأخير في باريس، شبقي، أنتج عام 1972، وآثار جدلا واسعا وتعرض لهجوم قاس من قبل الكثير من النقاد، اخرج الفيلم  الايطالي برناردو بيرتولوتشي، ويجسد براندو في الفيلم شخصية رجل أمريكي ماتت زوجته مؤخرا، بعدها يلتقي فتاة فرنسية، لعبت دورها الراحلة "ماريا شنايدر"، فيمارسا الجنس كثيرا، فتتكشف الظلمة التي يعيشها الرجل، يعد الفيلم الآن من أهم الأفلام في العالم، غيب الموت براندو في 1 يوليو عام 2004 عن عمر 80 عاما، بلوس انجليس بالولايات المتحدة الأمريكية.