يبقلم – روماني صبري 
 
"ثلاثينيات القرن الماضي"
ناحوم فرانكل : أفلام "والت ديزني"، باتت تطرح في السينمات المصرية، إذا وجب أن تعرف مصر "فن تحريك الرسوم"، لذلك اطلب منك الاستثمار في أستوديو عائلتي الجديد ؟  
طلعت حرب : مافيش فايدة
ناحوم فرانكل : حسنا .. هل تحب الاستثمار في الأستوديو فيما بعد ؟ 
طلعت حرب : بكرة في المشمش
رفض طلعت حرب لن يوقفنا 
بعد ذلك اللقاء  قرر "أستوديو الإخوة فرانكل" إنتاج أول فيلم رسوم متحركة مصري باسم "مفيش فايدة"، وضع له السيناريو "بديع خيري"، وكان بطله "مشمش أفندي"، اقتباسا من الردود المقتضبة لطلعت حرب مؤسس بنك مصر وأستوديو مصر آنذاك، لتصبح عائلة فرانكل اليهودية الروسية، بذلك رائدة فن التحريك في مصر عبر سلسلة أفلام "مشمش أفندي التي أنتجت في السنوات 1936 و1947، حيث قام "الأب" بإعداد الأحبار والألوان ، أما الابن سالومون فرانكل تولى مهمة الأدوات من تصوير وإضاءة وأدوات صوت والمونتاج ، ورسم الابن دافيد الشخصيات والديكور وحدد الزوايا والرسم بالحبر، وفي النهاية تم تلوينها.

 
ما قصة هذه العائلة اليهودية الروسية ولماذا جاءت إلى مصر ؟
الإخوة هرشل وسالومون ودافيد فرانكل، من أصل يهودي، قرروا الإقامة في مصر جراء الحرب العالمية الأولى، والدهم هو "ناحوم فرانكل" ، ووالدتهم "جنيسا"، أضرهم اضطهاد اليهود في الإمبراطورية الروسية وقتها بترك بيلاروس  1905، وتوجهوا إلى مدينة يافا، حتى نشبت الحرب العالمية الأولى وقامت الدولة العثمانية بقمع واضطهاد المهاجرين من بلدان معادية للدولة العثمانية، فهاجرت العائلة إلى مصر التي كانت تحتضن الجميع ولا تفرق بين احد، وعاشت في الإسكندرية، وهناك أسس ناحوم فرانكل ورشة لصناعة الأثاث بأسلوب صيني أصبحت ناجحة ومشهورة لدى أثرياء المدينة، بل باعت الأثاث للديوان الملكي، رغم نجاح العائلة في مجال صناعة الأثاث، كان ناحوم فرنكل وأبناؤه من هواة التصوير والسينما وتخصصوا في صناعة الأفلام، فقرروا إنشاء أستوديو لصناعة أفلام التحريك، وبالفعل أسسوا في القاهرة هذا الأستوديو باسم  "  Frenkel Animated Picture"
في الثامن من فبراير عام 1936 طرحت العائلة فيلهم الكرتوني الأول "مافيش فايدة" بطولة المصري مشمش أفندي، في "سينما كوزموجراف"بالقاهرة، وكانت مدة الفيلم 8 دقائق ونصف، وأصاب الفيلم نجاحا كبيرا، على إثره طلبت وزارة الزراعة المصرية من أستوديو الإخوة فرنكل عام 1937 ، إنتاج فيلم كارتون تعليمي بطولة "مشمش أفندي" لتعليم المزارعين طرق التخلص من طفيليات القطن، كونها كانت الزراعة المصرية آنذاك.
 
كما كلفتهم  وزارة الحربية المصرية بإنتاج فيلم وطني لدعم مشروع القرض الذي نظمته الحكومة للجيش،  اقتداء بما فعله والت ديزني في فيلم كارتون بطولة ميمي و بلوتو حول مطالبة الشعب بتخزين الدهون المتبقية من القلي في علب وإرسالها للجيش الأمريكي ليستغلها في تصنيع الأسلحة، واستهدفت الحملة ربات البيوت وكانت تقول " فلتجعلي دهون منزلك رصاصة تخترق قلب جندي نازي." 
 
وشهد العام 1939، إنتاج الأستوديو فيلما جديدا، لحساب الحكومة المصرية، وحمل عنوان "الدفاع الوطني" وطالب الفيلم الجيش المصري بالاستعداد للحرب المتوقعة، اخرج الإخوة فرانكل  رسوم سلسلة "مشمش أفندي" الترفيهية والتي بلغ عددها 30 فيلما باحترافية شديدة، وكانوا يمزجون فيها شخصيات مصورة، ممثلين حقيقيين، مثل الممثلة والمطربة صباح وتحية كاريوكا.
 
وضعت جريدة "La bourse egyptienne" على صفحتها الأولى مقالا حمل عنوانا "ميكى ماوس بات له أخ مصري"، وقال المقال " mickey mouse و betty boop في أمريكا، أصبحت مصر تمتلك بطل كارتوني قومي اسمه مشمش أفندي، قام ببطولة أول فيلم كرتون مصري يعرض هذا الأسبوع بسينما كوزموجراف." 
 
ومع تصاعد وتيرة التوتر بين الدول العربية واليهود بعد حرب 1948، وبين مصر والدول الغربية عقب انقلاب يوليو بقيادة ما أطلق عليهم الضباط الأحرار وقتها، رحلت عائلة فرانكل من البلاد لتستقر في فرنسا، وهناك استمر الإخوة الثلاثة في إنتاج  أفلام التحريك بابتكار شخصيات كارتونية جديدة، ولكن لم تظفر هذه الأفلام بالنجاح، كانت تمر مرور الكرام، عكس ما كان يحدث في مصر، وشهد العام 1967 عرض فيلهم الأخير،  وتكريما لجهود هذه العائلة في عالم الرسوم المتحركة اختير "سالومون فرانكل" عام  1996 للمشاركة في مهرجان السينما العربية في باريس وكان يبلغ وقتها 85 عاما، وحصل اسم عائلته على إشادة كبيرة كونهم من ادخلوا فن التحريك في مصر والدول العربية.
وترجمت سلسلة "مشمش أفندي"، هموم ومشاكل المواطن المصري، وسلبياته مثل أزمة المرور والتكدس، إلى جانب نشرها الوعي بأسلوب مصري وليس بلغة "أفلام الخواجة"، التي أحبها واعشقها وأكن لصناعها كل الاحترام، ومن أشهر حلقات هذه السلسلة : مشمش أفندي في المريخ، سمكري الحارة... في فرنسا قرر الإخوة فرانكل تحويل مشمش أفندي المصري إلى شخص يناسب الطبيعة  الفرنسية، وحمل الشخصية اسم "ميميش"، ورغم ذلك فشلت الشخصية هناك، ما جعل الإخوة فرانكل يقررون الاستسلام ويوقفون إنتاجها.