قصة قصيرة 
د. أحمد الخميسي 
تناول الكتاب من على فرشة الكتب في الرصيف، وراح يتصفحه، لكنه ورقة بعد أخرى لم يجد شيئا. أغلقه وأعاد النظر إلى الغلاف فوجد عنوان الكتاب واسم المؤلف بخط أحمر واضح على خلفية سوداء.
 
أعاد فتحه، صفحات بيضاء واحدة وراء الأخرى، خالية من أي حرف مطبوع. قال لنفسه:" لابد أن عاملا مسطولا اختلط عليه الورق في المطبعة فخرجت هذه النسخة". انحنى على فرشة الكتب.
 
تناول نسخة أخرى. وجد صفحاتها بيضاء تماما. نسخة ثالثة، نفس الشيء.
 
تحير، ولم يهتدي لتفسير، ثم زادته الأيام اللاحقة دهشة حين لاقى الكتاب حملة اهتمام إعلامية واسعة النطاق، إذ لم تخل مجلة أو صحيفة من مقال أو خبر حول الكتاب الذي جدد مفهوم الكتابة.
 
أيضا نوهت البرامج الإذاعية والتلفزيونية بأهمية الكتاب وإن لم يتطرق أحد لموضوعه بشكل محدد، واكتفت الغالبية العظمى بالإشارة إلي أنه شيق، وأنه يعد مفاجأة فنية وفكرية في عالم السرد، تزلزل أركان الأدب التقليدي، حتى مذيعة برنامج "طقس اليوم" نصحت المشاهدين بعد أن نوهت بارتفاع درجات الحرارة بأن يقرؤوا الكتاب لأنه على حد قولها " يمنح شعورا لطيفا بالرطوبة في الحر الخانق".
 
توالت سلسلة من الندوات ساهم فيها نقاد كبار رافقهم لسبب غير محدد وكلاء وزارة الثقافة والمجلس القومي ومندوب جمعية " ساعد أديبك" الذي كان يجمع التبرعات في نهاية كل ندوة. كان يتابع أنباء ذلك النشاط المحموم، ومن حين لآخر يمعن النظر إلى صور المؤلف وابتسامته المحمية بطبقة من الدهن اللامع. قال لنفسه : " لا يمكن أن يكون كل هذا الضجيج من لاشيء". المشكلة أنه مثل أي انسان حين تقرع الطبول حوله فإنه يبدأ في التشكك ليس في نظره فحسب بل وفي عقله، هكذا حدث نفسه بأنه لابد أن يكون مخطئا في أمر ما أو أنه لا يفهم كما ينبغي، خاصة أن علاقته بالقراءة بدأت منذ مدة صغيرة حين أصيب بكسر في الحوض ورقد في المستشفى فجاءه أحد الأصدقاء برواية. لذلك راح يتصفح الكتاب مرة أخرى. حدق بصفحاته البيضاء طويلا وبتركيز حتى دمعت عيناه، لكنه لم يجد أي شيء ماعدا بياضة تعقبها بياضة حتى النهاية. في مساء اليوم ذاته قرأ خبرا أن مخرجا كبيرا سيحول الكتاب إلي فيلم إنتاج مشترك مع إيطاليا. حينذاك أحس بالعجز والحيرة تجاه الكتابة الجديدة التي لم يفهمها، وما إن سمع بندوة سيحضرها المؤلف وناقدان كبيران حتى اتجه بدون تردد إلي مقر الندوة المعلن عنه. كانت القاعة مزدحمة بالجالسين وببعض الواقفين، وعند منصة المتحدثين ارتفعت باقات الزهور، وترجرجت ابتسامات من بداية القاعة إلى آخرها.
 
جلس بخشوع ورهبة متلهفا بصدق للتكفير عن جهله. بعد قليل افتتح د. صلاح حسين الندوة مرحبا بالحاضرين، ثم رفع الكتاب الأبيض أمام أعين الجمهور والعدسات وقال :" لاشك أن كاتبنا العزيز أراد مفاجأتنا بعمله البديع الذي خرج عن كل إطر السرد المعروفة. كتاب بلا كلمة واحدة، مجرد صفحات بيضاء. وبذلك سعى المؤلف باقتدار إلي إشراك القارئ في عملية التخييل الإبداعي. ترى أكان من الصعب عليه أن يكتب أو يؤلف ما يعن له كما عودتنا الكتابة التقليدية؟ كلا ، لم يكن ذلك عسيرا، لكن الحداثة ساقت مؤلفنا المبدع لإفساح المجال لخيال القارئ بما يمنح الكتاب كل ذلك الثراء والتنوع الأسلوبي بل والفكري، ولو أننا صادفنا كما اعتدنا كلمات معينة، محددة، مطبوعة، لظل القراء أسرى تلك الكلمات، لكن أن نجد بين أيدينا بياضة طويلة مستمرة، ومعذرة على كلمة بياضة العامية، فإن ذلك يعني أن بوسع كل منا أن يدرج في الفراغ الأبيض كل خيالاته ومشاعره، فيصبح الكتاب في كل مرة عملا ابداعيا متفردا، منفتحا على تشابك المصير الذاتي بالمصير الكوني. الكتاب صيحة للتفكير على أسس جديدة، لصياغة مفهوم معاصر وليس ماضويا لقضايانا المجتمعية بل والإنسانية. 
 
انفضت الندوة، وتحلق البعض حول المؤلف ليوقع لهم على نسخهم من الكتاب. وتوقف هو يتلكأ حائرا يلوم نفسه:" كيف حكمت على الكتاب بسرعة ولم أنتبه إلي المعاني العميقة التي أشار إليها الأساتذة النقاد؟. نعم .. البياضة؟ أليست رمزا لما نحلم به في عصرنا؟ بل هي روح هذا العصر كما قال د. عبد اللطيف السيد". أرسل بصره إلى المنصة، كان المؤلف جالسا وقد أحاط به المعجبون، وتأسف أنه لم يأت معه بنسخته الشخصية. لبث في مكانه دقائق ثم خرج، وخلال هبوطه على الدرج صادفه شخصان يدخنان، كان أحدهما يضع على رأسه " كاسكيتة " كاروهات ، بينما تدلى من عنق الآخر إيشارب طويل أصفر، وسمع وهو يهبط الأول يؤكد للثاني أن" الكتاب" قد تصدر أفضل المبيعات، وسوف يترجم قريبا من"بياضة"عربية إلي إسبانية، وإلى بياضة فرنسية وانجليزية، ولا يعطل الترجمة الآن سوى تدقيق المؤلف في اختيار المترجمين الأكفاء، لكي لا تشوه الترجمة غير الدقيقة فحوى العمل.