مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com

" البريسترويكا " هي إعادة البناء ، فلماذا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية'> الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بحاجة إليها ؟ وما جوهرها وأهدافها ؟ وما الذي ترفضه ، وما الذي تستجده ؟ وكيف تتقدم ؟ وماذا يمكن أن تكون نتائجها للكنيسة وللعالم ؟

هي وغيرها أسئلة يراها " د. م. ماهر عزيز " الكاتب والباحث أنها باتت  مشروعة يبحث الكثيرون عن أجوبة لها الآن : الشعب والإكليروس والرهبان ... فبعد 2018 سنة من ميلاد السيد المسيح ، ثم تأسيس الكنيسة في القرن الأول الميلادي ، صارت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية'> الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يراها مؤلف كتاب " بيريسترويكا كنسية " بحاجة ماسة لإعادة البناء في كل شيء : روحي أو زماني !

و بداية ـ بمناسبة الحديث عن  " الإصلاح " و" إعادة البناء" أود توجيه حديثي  إلى الذين يرفضون مصطلح         " الإصلاح " عند الاقتراب من الحديث عن إدارة وتوجهات المؤسسات الدينية و نظم تعليمها و علاقاتها مع تابعيها .... أذكرهم بموقف السيد المسيح ـ وكيف أدان المؤسسة الدينية عندما رأى كهنة الهيكل يبيعون ويشترون داخل الهيكل ويغيرون العملات ويتحكمون فى البشر فقال قولته الشهيرة ( بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ) وقال أيضا موجها حديثة للكهنة اليهود ( تحملون الناس أحمالا عثرة ولا تحركونها بإصبعكم ) ولقد كان صدامه مع رجال الدين أكثر كثيرا من صدامه مع رجل الشارع العادى بل إنه لم يصطدم إطلاقا مع البسطاء.. )

ولقد رفض السيد المسيح وجود مؤسسة دينية تستغل في التجارة واستغلال المكان المخصص للروحانيات و في زمن ممارسة العبادات ، بل و استغلال رجل الشارع العادى وتصعديد أعباء الطقوس المبالغ في أمورممارساتها ونواميسها وطقوسها، فهل كان السيد المسيح يطلب وهو يتحدث عن الكنيسة أن تتحول الكنيسة إلى صورة طبق الأصل من المؤسسة الدينية اليهودية التى قامت بمحاكمته لكن ما حدث هو عكس ما تخيله السيد المسيح إذ تحالفت الكنيسة مع السلطات السياسية عبر التاريخ ،وصار لها النفوذ الصارم على المؤمنين ..

يحكي لنا الكاتب الكبير والفيلسوف الدكتور " مراد وهبة " حول بدايات علاقنه بصديقه " نظير جيد " قبل رهبنته ووصولًا لسيامته باسم "شنودة الثالث " البطريرك .. يقول " البحث‏ ‏عن‏ ‏الطريق‏ ‏استغرق‏ ‏حواراتنا‏ -‏نظير‏ ‏جيد‏ ‏وأنا‏- ‏في‏ ‏مقهي‏ ‏محطة‏ ‏مصر‏ ‏مكاننا‏ ‏المختار‏. ‏وكان‏ ‏السؤال‏: ‏من‏ ‏أين‏ ‏نبدأ؟‏ ‏وكان‏ ‏الجواب‏: ‏من‏ ‏المجمع‏ ‏المقدس‏ ‏المكون‏ ‏من‏ ‏أساقفة‏ ‏ومطارنة‏ ‏هم‏ ‏في‏ ‏الأصل‏ ‏رهبان‏ ‏وعددهم‏ ‏محدود‏ ‏وغير‏ ‏قابلين‏ ‏للعزل‏, ‏وبالتالي‏ ‏فإنك‏ ‏إذا‏ ‏أردت‏ ‏التخلص‏ ‏من‏ ‏أحدهم‏ ‏بسبب‏ ‏فساد‏ ‏ما‏, ‏فعليك‏ ‏الانتظار‏ ‏حتي‏ ‏يغادر‏ ‏هذه‏ ‏الحياة‏ ‏الدنيا‏, ‏خاصة‏ ‏وأن‏ ‏كتاب‏ ‏الدسقولية‏ ‏الذي‏ ‏هو‏ ‏عبارة‏ ‏عن‏ ‏قوانين‏ ‏الكنيسة‏, ‏به‏ ‏عبارة‏ ‏تقول‏: ‏رئيس‏ ‏شعبك‏ ‏لا‏ ‏تقل‏ ‏فيه‏ ‏كلمة‏ ‏سوء‏. ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فالبديل‏ ‏الصالح‏ ‏ليس‏ ‏مضمونا‏ ‏في‏ ‏مناخ‏ ‏كنسي‏ ‏محكوم‏ ‏بظاهرة‏ ‏السيمونية‏.‏ ومن‏ ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏السؤال‏: ‏هل‏ ‏من‏ ‏طريق‏ ‏آخر؟‏ ‏وكان‏ ‏جواب‏ ‏نظير‏ ‏جيد‏: ‏ثمة‏ ‏طريق‏ ‏آخر‏ ‏وهو‏ ‏مضاعفة‏ ‏عدد‏ ‏أعضاء‏ ‏المجمع‏ ‏المقدس‏, ‏إلا‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المضاعفة‏ ‏ليست‏ ‏ممكنة‏ ‏إلا‏ ‏بمضاعفة‏ ‏الإيبارشيات‏ ‏وذلك‏ ‏بتقسيم‏ ‏محافظات‏ ‏مصر‏, ‏بذلك‏ ‏يمكن‏ ‏رسامة‏ ‏أساقفة‏ ‏ومطارنة‏ ‏جدد‏ ‏علي‏ ‏الإيبارشيات‏ ‏الجديدة‏. ‏ثم‏ ‏استطرد‏ ‏نظير‏ ‏جيد‏ ‏قائلا‏: ‏ويمكن‏ ‏أيضا‏ ‏رسامة‏ ‏أساقفة‏ ‏عموم‏, ‏أي‏ ‏أساقفة‏ ‏بلا‏ ‏إيبارشيات‏. ‏وهنا‏ ‏قلت‏ ‏لنظير‏: ‏مثل‏ ‏لما‏ ‏تقول‏. ‏قال‏: ‏أسقف‏ ‏للتعليم‏ ‏الديني‏ ‏وأسقف‏ ‏للخدمات‏ ‏العامة‏.‏.. " ..

انتهى الاقتباس من بعض ماكتب فيبسوفنا " مراد وهبة "كنموذج لأفكار لإعادة البناء للكنيسة المصرية ، و لازال البعض يسأل ويبحث عن تطبيق بعض أطروحات قداسة البابا شنودة الثالث التي طرحها " نظير جيد " ..

و أعود لكتاب " بريسترويكا كنسية " الصادر حديثًا ، ومؤلقه الذي كتب في مقدمته والذي قد نختلف مع أطروحاته أو نتفق عزيزي القارئ  ، لكن من الضروري تبادل الرأي حولها لأهميتها  " لقد عجز الترهل الحالي في أمور إدارة كنيستنا المصرية عن الدفاع عن أساسيات دورها الروحي والإداري ، أو الوقوف بحزم أمام الاتجاهات الخاطئة داخل الكنيسة ، وساد أسلوب تغطية البعض لأخطاء وتجاوزات وافتراءات البعض ، بخاصة في مستوى القادة الروحيين المنوط بهم أصلاً الحفاظ على الأساسيات ، وانتشر التسيب فأفسد الانضباط الروحي ، مادامت بعض الإنجازات الشكلية والمنقوصة والمعيبة تتم ... وغالبًا ما انتهكت مبادئ المسيح وروح كلمة الله بين أعضاء مجالس الكنائس وخدام التربية الكنسية والشعب ، لاسيما مع انهيار القدوة الروحية في مستوى الإكليروس ، وأصبح العديد من أعضاء المجالس الكنسية والإكليروس وأفراد الشعب في المواقع القيادية فوق الرقابة والنقد ، ما أدى إلى تراجع روحي ملحوظ ، وإلى فشل بقدر ما في العمل الكنسي ، وظهر في مستويات الإكليروس والمجالس الكنسية والخدام والشعب عدم احترام للقيم الإنجيلية ، وتشجيع للكلام المضلل والشللية ، والخنوع والتمجيد للنماذج الضعيفة روحيًا وإداريًا ... " ..

ويصل الكاتب في مقدمته للكتاب التأكيد على إن أفكار الإصلاح وإعادة البناء لا تدفع إليها مجرد الاعتبارات الروحية للكنيسة وحياة المسيحيين في العالم فقط ، وإنما يدفع إليها أيضًا ضميرنا المعذب ، والتزامنا العنيد بالمثل التي استقيناها من حياة المسيح والكتاب المقدس ، وكنتيجة للبحث الكتابي النظري الذي ألهمنا معرفة أفضل بمقاصد الله ، وعزز تصميمنا على رفع رايات إعادة البناء .

ولذا يتعين أن تشكل البريسترويكا محور الإصلاح والتجديد في الكنيسة كلها ، لأنها تخص مستقبل الأرثوذكسية في هذا البلد والعالم ، بل ومستقبل المسيحية قاطبة ... وإلى جزء جديد نطرحه  في عدد قادم بإذن الله ..
نقلا عن الدستور