المقال الأخير فى سلسلة : الحالة المصرية وتشابكات اللحظة ... اقتراب قبطى
 
كمال زاخر
بامتداد صفحات الطرح وسطوره، كنت احاول أن اقترب من الحالة المصرية المعاشة، بعيداً عن القوالب التى اعتدناها بامتداد عقود، والتى تغلب عليها إما الموائمة، التى تميل إلى التبرير، وتنسب مسئولية الإخفاقات أو الإختلالات إلى فاعل مجهول، وتعلن فى نهاية الطرح أننا ـ الأقباط ـ نعيش أزهى العصور، وهو وصف ينتقل مع كل نظام. وإما الإنحياز لموقف طرف من الأطراف فيتحول الطرح إلى بكائية وتتحول السطور إلى سرادق عزاء، أو يتحول إلى مرافعة دفاع تغسل الأيدى من مسئولية الإخفاقات والإختلالات وتحمل الأنظمة السابقة المسئولية، فقد أورثتنا، بشكل متواتر، موروثاً ثقيلاً. وفى كل الأحوال يبقى الحال على ما هو عليه.
 
ومنذ السطر الأول قلت أنه إقتراب قبطى، لكنه لا يحسب اقتراباً طائفياً، بل محاولة لفهم ما يشغل بال طيف من المصريين وجد نفسه فى مرمى نيران تيارات عتية ترفض أن تفسح له مكاناً فى المشهد المصرى، ولا تعترف به مكوناً تاريخياً فى المعادلة المصرية، وأقصى ما تمن به عليه أن تحسبه تحت وصايتها، وتهلل لهذه الوصاية وتعدها من آيات التسامح.
 
وعندما يجتمع الأقباط والوطن فى جملة واحدة تنتفض قرون الإستشعار عند أطراف عدة، ما بين التوجس والترقب والتحسب، وعند بعضها التربص، وقد يبادر بعضها بالقفز على النتائج بقائمة اتهامات قد تنتهى بمن قارب بينهما ليقبع خلف الأسوار.
 
فيما يبقى الأقباط رقماً أساسياً فى معادلة الوطن، لا يمكن فهمها ـ بل ولا تستقيم ـ بدونه، وقد استطاعوا عبر تاريخهم الذى هو تاريخ الوطن، بتقلباته، أن يقاوموا عوامل الإندثار، المتعددة، حين ترجموا إيمانهم وعقائدهم وثقافتهم إلى حياة معاشة، وقعوها على الزمن، اليوم والشهر والفصل والسنة، ووقعوها على مجالهم الحيوى، فذهبوا بالنيل والزرع والحصاد والوطن، البشر والحجر، وتشابكات الحياة إلى محرابهم يستودعونها بين يدى الههم ليسيج حولها ويباركها ويمنحهم سلامه وحمايته.
 
وحين وجدوا انفسهم فى مأزق المفاضلة بين لسانهم القبطى ووطنهم إختاروا الوطن، وقبلوا اللغة الوافدة، العربية، بفعل عنت الحكام، وعمدوها، لتصير لغة عبادتهم وحياتهم، لتصير العربية رفيقة حياة مع اللغة القبطية، التى تراجعت لكنها لم تمت.
 
وإن كانت المعجزة واحدة من عناوين المسيحية، فإن بقاء الأقباط فى مصر يعد واحدة من ابرز معجزات التاريخ، بالنظر إلى الأهوال التى عبروا بها، بامتداد التاريخ، والتى سجلها مؤرخون ثقاة ومنهم مؤرخين عرب، مع تقلب الدول والحكام الذين مروا بمصر، فضلاً عن الأوبئة التى حصدت أرواح مئات الآلاف منهم، لكنهم بقوا وبقيت معهم منظومة قيمهم، وأمانتهم وانتمائهم لهذا الوطن، وهو الأمر الذى لم تدركه أو تستوعبه التيارات المتطرفة، فراحت تقصى الأقباط وتحاصرهم، وتوغر صدور العوام ضدهم، وبعض الأنظمة أخذت برؤيتهم، ولم تدرك أنها بهذا تحرم الوطن من طاقات ايجابية هو فى مسيس الحاجة اليها، بما تحمله من منظومة قيم تصب فى الإجادة والمهنية والجدية، فجاء الاستبعاد خصماً من خطط التنمية ودعماً للتخلف والتراجع. فيما قفز الأقباط فوق متاريس الإقصاء وذهبوا إلى دوائر العمل الخاص، والتجارة والتصنيع، والحرف والمهن الحرة، ومن لم يتمكن من هذا قاوم الإقصاء بالتميز فى موقعه، بما يملكه من جينات مصرية موروثة.
 
على أن التغيرات المتسارعة التى حملها النصف الثانى من القرن العشرين، سواء فى المشهد العام أو الفضاء القبطى، كان لها أثر بالغ فى رسم وتشكيل المشهد المصرى المعاش، وقد اقتربنا من بعض محاورها عبر سطورنا الفائتة، تحت عنوان الأقباط بين التضييق والإستبعاد؛ اسئلة مزمنة!!.
 
وعلى الرغم من الآثار السلبية التى اشرنا إليها جراء هذا التضييق والإستبعاد إلا أنها ساهمت فى ازكاء روح المقاومة السلمية الإيجابية عند الأقباط، بالعمل الجاد على التحقق رغم الأجواء الماوئة، وصاروا القاطرة التى تعيد بعث وإحياء القومية المصرية لدى كل المصريين.
 
ليس هذا فقط، بل صار لدينا واقعاً جديداً يتمثل فى الجاليات المصرية فى انحاء المعمورة، جراء الهجرات المتتالية، وقدر كبير من هذه الجاليات من الأقباط، وهم يمثلون قيمة مضافة للوطن الأم، مصر، ومازالوا على تواصل حميمى مع أسرهم وعائلاتهم بمصر، وكثير منهم مزدوجى الجنسية، وعلينا كوطن أن نعظم الإستفادة منهم، ولعلنا نتذكر دورهم الفاعل فى مساندتهم المعنوية والمادية عقب هزيمة 67 ومع نصر 73، ودعم الوطن فى المحافل الدولية، فى أوقات الأزمات.
 
ولم يعد مطروحاً ـ أو ممكناً ـ خيار الإجلاء العنصرى، أو الفرز الطائفى، ولم يعد مطروحاً حل اشكاليات الأقباط بعيداً عن أرضية الوطن أو خارجه، ولم يعد مقبولاً التعاطى مع الأقباط باعتبارهم "أخر"، أو الإقرار بحقوقهم وواجباتهم تأسيساً على منطلقات دينية، أو بسببها،
 
لكن السائد يقف عائقاً أمام القبول بتناول الأمر بعيداً عن القواعد الدينية والفقهية، والتى صارت من الثوابت بعد أن تم تسويقها لما يقارب القرن، حتى ترسخت فى العقل الجمعى، وانتجت نصوصاً دستورية حاكمة، بل صارت عند الغلاة جزء من النظام العام، وصار الإقتراب منها مجرم ومحرم.
لكن هذا لا يعنى التسليم بما هو قائم والذى تجتهد كل الأطراف فى الإلتفاف حوله بالتراضى، لأن هذا القبول والحل بالالتفاف سيحولنا إلى محمية طبيعية منبتة الصلة بالعالم حولنا، الذى حولته الثورة الرقمية إلى متابع متربص لكل ما يجرى فى اقصى نقطة فى الكرة الأرضية، وسنجد انفسنا خارج التاريخ بل وخارج الجغرافيا!!.
 
قد تكون المطالبة بتنقية الدستور من النصوص الدينية ليصير دستوراً مدنياً بغير شائبة ضرب من الخيال، ويفتح الباب لموجات عاتية من الهجوم الضارى، خاصة عند من يرون فى هذا استهداف للدين وبالإسلام تحديداً، فيما هو فى الواقع خطوة لازمة لوضع الأمور فى نصابها الصحيح، فتجربتنا الممتدة من خلط الدين بالسياسة تقول بأن هذا الربط اضر بكليهما، ولعلنا نعود مجدداً وبشكل مجرد لنقرأ تجربة خروج الغرب من عصوره الوسطى، وكيف اعاد الدين إلى موقعه واطلق العدالة والحرية والمساواة لتشكل القاعدة التى تقوم عليها منظومة الحقوق والواجبات، ورد للإنسان قيمته لكونه إنساناً.