مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com
سواء اتفقنا أو اختلفنا حول توصيف ما سمي بالربيع العربي أنها كانت ثورات شعوب أو أنها مؤامرة كبرى تشارك في الإعداد والتخطيط لها العديد من الأطراف في الداخل و الخارج من أعداء الوطن العربي ، لكن لا أحد في اعتقادي يمكنه إنكار حالة التردي التي كانت تعيشها شعوبنا العربية و التراجع و الخروج عن كل دوائر التنافس و التفاعل الحضاري والفكري والإنساني و العلمي بندية ( و رأس برأس على رأي العامة الطيبين منا ) مع دول العالم الأول.. لقد ظللنا نرفع شعار حنجوري نردده في كل بلاد المشرق والمغرب العربي مفاده أن الشعوب التي تعيش على إنتاج غيرها من الشعوب لا تستحق الحياة ، و على مدى حقب من الزمان لا ننجح حتى بيننا كعرب في إيجاد صيغة من التكامل الذي يمكن أن يسهم بشكل أو أخر في دعم حالة من الاكتفاء الذاتي عربيًا !!!

في مثل هذه الأيام من عام 2006 كنت قد التقيت بالراحل العظيم الملقب بوزير الغلابة الدكتور " أحمد جويلي " في حوار صحفي لمجلة " اخر ساعة " واستمتعت بروعة فكر الرجل و وطنيته و موضوعيته ، فقد كان يمثل نوعية متفردة من نموذج المدير العربي الباحث والمرتب فكريًا والمتواصل مع أحلام الناس وطموحاتهم في هدوء ودون إطلاق شعارات حنجورية أو التغني بأناشيد وأهازيج قومجية تافهة ..

قال جويلي في ذلك الحين " لاشك أنه قد تراكمت لدى المواطن العربى العديد من الخبرات والتجارب شكلت لديه تصورا سلبيا عن العمل العربى فبات لايثق فيما يقال أو يصدر عن أى جهاز أو مؤسسة عربية.. لكننا الآن فى المجلس ( مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ) لدينا إنجازات على أرض الواقع ، صحيح أنه لا يمكن القول بحدوث قفزات لكن هناك أمورًا بات تأثيرها محسوسًا لا ندعى أن لنا فى المجلس الفضل الأول أو الوحيد فى إنجازها، لكن ظروف المنطقة قد ساعدت فى إيجاد مناخ أفضل للاستثمار العربى ، والتى فى مقدمتها أحداث 11 سبتمبر وإفرازها العديد من القرارات والمواقف العنصرية تجاه الاستثمارات العربية فى أوروبا والولايات المتحدة جعل هناك اتجاهاً ملحوظا للاستثمار العربى فى المنطقة العربية.. ( لاحظ عزيزي القارئ الكلام هنا كان عام 2006 ).

" العرب مرشحون للاختفاء" عبارة قالها لي "وزير الغلابة" الدكتور أحمد جويلي وهو في قمة الغضب من موقعه آنئذ كأمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع للجامعة العربية محذراً كل الأنظمة العربية ، فقد كان يحلم كمواطن مصري وعربي أن تستثمر النظم والحكومات العربية كل موارد بلادهم البشرية والطبيعية ، و ثرواتهم المعدنية والبترولية وغيرها في إحداث شكل من أشكال التكامل والتعاون لصالح تقدم بلادهم ودعم قاطرة التنمية ..

وحول التواجد فى افريقيا أكد أنه أمرمهم وتوجه ندفع فى اتجاهه أنشطة المجلس الذي أشرف برئاسته.. وحاليا هناك تنسيق وتعاون مع الاتحاد الافريقى.. لكن التوجه العربى بالفعل نحو افريقيا يميزه نوع من التردد وهذا أمر سلبى وغريب.. فى الستينات كان هناك عمل جيد فى افريقيا حيث كانت هناك قناعة أنها تمثل الفضاء المهم والرحب بالنسبة لنا نظرا لتوافر الموارد الطبيعية وما تمثله من سوق قريبة ومتاحة...

رحم الله د. أحمد جويلي الذي اقترب بحماس من هموم المواطن المصري والعربي لأنه يعرفه في كل حالاته .. وهو بالضبط ما عجز وفشل فيه بعض حكام العرب وحكوماتهم قبل حدوث فورات ما سمي بالربيع العربي ، إلى حد خروج أحدهم لمواجهة الجماهير غاضبًا وهو يردد مستعجبًا " من أنتم ؟ !!! " وقول ساخر أخر " خليهم يتسلوا " !!!

لقد فشلت الحكومات العربية في إقامة نوع من الحوار الاجتماعي مع شعوبها.. وهل لنا بناء على ذلك أن نصدق ما يتردد على ألسنة البعض من أن حكوماتنا قد باتت في عصر العولمة أصغر من مواجهة ضغوط الخارج، وأكبر من التعامل مع مشكلات الداخل ؟

أعتقد أن من أهم أسباب نجاح ثورة 30 يونيو كانت في القراءة الواعية من قبل القائد و أجهزة الدولة السياسية والإعلامية والأمنية لأحلام وهموم وطموحات المواطن المصري ، فكان التفاعل نصرًا عظيمًا و خروجًا من عتمات وغياهب عصابات التخلف الكئيبة ..
نقلا عن الدستور