محمد حسين يونس
(( لما اقتحم ثوار فرنسا سجن الباستيل 14 يوليو1789 حطموا ابواب الزنازين بالبلط و الفؤوس و دعوا المساجين و المعتقلين الذين طال عليهم الامد في غيابات السجن أن ينطلقوا الي الحرية و لكن كم كانت دهشة الثوار اذ رأوا بعضهم يقاوم و يتشبث بالبقاء في السجن وقد بدا عليهم فزع هائل .. و لا غرابه في مسلك هؤلاء التعساء فهم لطول مكوثهم بعيدا عن الحياة الحرة الفوا القيد و خافوا جلبة الدنيا فالحرية ـ علي تمكن غريزتها ـ نبات حساس سريع العطب ما لم نتعهده بالرى و الرعاية )) الاستاذ فتحي رضوان في كتابه الاسلام و مشكلات الفكر .

عالم الفلسفة و علم النفس اريك فروم يشرح ويحلل بإستفاضة كيف ان البشر يعتادون علي حياة معينة و ان اطلاق حريتهم في الاختيار سيضعهم في مأزق تحمل مسئولية ما قرروا، وان الدين و السياسة تروض الانسان او العدد الاكبر منه بحيث يتبع ما يملي عليه و يتحرك علي قضيبين سكة حديد لا يخرج عنهما.

سيجموند فرويد في بداية القرن الماضي طرح : ((ان لكل اتجاه أو حركة أو سلوك علة .. واننا اذا كنا نجد رجلا مستقيما و آخر مجرما ، ثم امرأة مستهترة و أخرى متحفظة فاننا يجب ان نبحث عن العلة في هذه الحالات هل هي من العائلة، في المجتمع، في الوراثة، في الوسط )) كتاب الاستاذ سلامة موسي دراسات سيكلوجية

وهكذا يعلمنا سلامة موسي ان ((البيئة الاولي للعائلة هي كل شىء في الاخلاق تقريبا ))..(( ان اخلاقنا و ميولنا و اتجاهاتنا و اطماعنا هي ثمرة ما انغرس في نفوسنا مدة السنوات الثلاث او الاربع الاولي من اعمارنا )).

فاذا ما كان سلوك الافراد من المهد للحد يتوقف علي ما حصلوه من اسرتهم و مجتمعهم فان ذلك ليس بقدر لا يمكن الفكاك منه، ان التعليم و التدريب تعدل ( من خلال الوعي ) القوانين السلوكية المكتسبة ( بدون وعي) و الا اصبحت الحياة تكرارا للحن واحد نتوارثه، بمعني ان البيئة لها تاثيرها و لكن الارادة قادرة علي التعديل.

عندما تخيلت آنسة من مجتمعنا ان البعض يدعوها الي اختراق المألوف و ارتداء ما يناسبها لا ما يفرض عليها .. اصابها الرعب ماذا سيقول الجيران و الزملاء و الاسرة و رجال الدين عندما يجدونها بدون قناع علي الرغم من ان هذا الزى مستحدثا علي مجتمعها و لم تكن امها او عمتها او حتي جدتها تهتم به ..

إنه سلوك - ما - يقوم به القطيع و يعتاده ..

نفس الموقف عندما تستحيل العشرة بين زوجين و تطلب السيدة الخلع و تستجيب لها المحكمة انها تشعر بالخوف ان تبدا حياة جديدة بدون منغصات و في الاغلب تعود لمن قهرها .

الخوف من الحرية لا يصيب الافراد فقط و لكن الجماعات و الشعوب و ها نحن نرى هبات الجماهير ضد الظلم الذى طالهم لعدة عقود تقدم الضحايا و تثير اهتمام العالم و بعد ان تزيح الطبقة العليا من الفاسدين تسعي جاهدة لاحلالهم بأخرين أشد ضراوة

التمسك بولاية الفقية او السلفي هو عودة للرحم حيث لا يتحمل الجنين مسئولية اختياره و يتركه لمن يتصل مباشرة بالمانح القادر (الام) ..خرافة التواصل بين الشيخ الذى كان منذ ايام بلطجي و لص و يخطط لان يكون زعيم عصابة هو خوف من الحرية ورعب من تحمل المسئولية

حتي عند المتعلم لقد اعتاد منذ زمن طويل ان تقوم الحكومة برعايته و رجال الدين بتوجيه سلوكة بحيث اصبح الان غير قادر علي تحمل الحرية في الاختيار الديموقراطي و يتركه (للجيش و رجال الاحزاب الدينية ) كما لو كان قاصرا ..

الخوف من اختبار الجديد يشبة الوقوف امام حمام سباحة و التردد هل سيقفز الي الماء البارد ام سيدخله تدريجيا ام سينسحب ام سينتظر حتي يدفعة احدهم..

وهكذا تنتظر الانسة ان تجد من يقودها لتتعرف علي جسدها و احتياجاتها الجنسية وعندما تجده تخاف منه و تتوقف عن استكمال التجربة حتي لو كانت في اطار الشرعية فتتملص من التمتع ملقية اللوم - في حالة مواجهتها - علي الاخر .

العادة لها قوتها و التربية العائلية و المجتمعية و لكن الارادة قادرة علي التغيير فقط بعد التغلب علي الخوف من الحرية .. كشرط لتعود الفتاة لما كانت عليه قبل الستينيات من تحرر و ثقة بالنفس و لا تخاف.

المجتمع تم صياغته بحيث يغلب طبقة او مجموعة علي اخرى بواسطة القوانين و اساليب الجزاء و الثواب ( بعضها مؤجل ليوم الحساب )، جزء من ميكانيزم السيطرة هو الانضباط الذاتي المبني علي الخوف علي لقمة العيش، او علي التواجد بين الاصدقاء و الاحباء،أو من القهرالذى سيواجه به لو انه خرج عن المالوف، وقد يكون قهرا من اقرب المحيطين ام ، اب ، اخ او صديقة مقربة تنقل رعبها ..

نانسي فرايداى العالمة النفسية تكتب في (كتاب انا و امي ) ان الام هي اكبر عائق امام تقدم الفتاة حيث تريد ان تصبغها علي شاكلتها بغض النظر عن تطور المجتمع و احتياجاته و ان مصير الفتاة يتوقف علي موقف الاب من الصراع و الي اى جانب سيكون

هل يمكن تطبيق هذا علي حركات الإنتفاضة في السودان و الجزالئر و تونس و مصر
أى أنها محاولة التخلص من سلطة (الأم ) النظام القديم .. و تسليمها للأب ( صاحب أدوات الردع و اللإنفاق ) !!

قد لا يتحرك المجتمع بعيدا عن ما كان الا بثورة .. و الثورة هي التغيير الراديكالي في افكار و توجهات الامة و الثورة علي محاولات احتواء الام ..

المجتمع اذا تغلب علي الخوف من الحرية سيتمتع بها. و لكن كيف ؟؟