بقلم – روماني صبري
 " محمد علي كلاي فخر لكل العرب والمسلمين .. الرجل ظاهرة رياضية من المستحيل أن تتكرر .. ومن أحبه ربه ابتلاه .. لم يخسر أي مباراة قط قبل نزاله الشهير مع "جو فريزر" والذي يؤكد أن الله ابتلاه كما يبتلي كل مؤمن صبور .. كان النزال الذي أبكى العرب المسلمين" .. هكذا فاتحنا مدرس اللغة العربية بالمدرسة الحكومية بكيفية مفاجئة في المرحلة الابتدائية .. لا أتذكر هل كان يدور موضوع الدرس حول بطل الملاكمة الراحل آنذاك أم استغل المعلم الحصة ليطمئن نفسه بعدما بات مضطرب الذهن إزاء خسارة كلاي الشهيرة ! ..
 
لم تعرف الكلمات المتقطعة حديثه ويشهد الله على ذلك، كان ذاهلا رغم إخفاءه ذلك، استطرد مختصا تلاميذ الفصل بوجه مهموم شديد الشحوب :" شاهدت النزال مؤخرا على شريط فيديو ، فطفح القلب بالحزن .. لتعلموا يا أولاد أن هذا الملاكم ثمن جهوده الداعية الإسلامي عبد الحميد كشك، إذ رآه أعظم ملاكم أنجبته البشرية" .. وبعد دقائق تكاد تذكر تحولت الحصة، إلى حصة دين، بفضل معلمنا الفصيح الفقير بالأفكار المشوشة.. على أي حال كان معلم جدير بالاحترام، لطالما ارتدى معاطف الصوف الفاخرة في فصل الشتاء، وساعة دقاقة في يده اليسرى، اخبرنا ذات مرة انه ورثها من والده .. لنذهب إلى لب الموضوع، قبل أن يجلس معلمنا على كرسي معلمين الفصل المستقر بجوار سبورة الفصل.. راح يذرع الفصل جيئا وذهابا مستأنفا الحديث بأدب ربما لوجود عدد من المسيحيين :" كلاي اعتنق الإسلام ولم يرغمه أحد - على ما أتذكر - في النهاية جميعنا عرب "حتى" أشقاؤنا المسيحيين لذلك وجب علينا أن نفتخر بالرجل"، هكذا انهي الرجل حديثه عن كلاي دون لف ودوران .
 
حديث المعلم وافتخاره بكلاي وبالشيخ كشك، هذا الأخير الذي أصابه طوال حياته أشد التعصب فرأى الكفر في الفنون وكل مختلف، سببه دوافع اتجاهاته الدينية الموروثة، لأنهم في مدارس الأحد بالكنيسة اخبرونا مرارا أيضا أن الدكتور مجدي يعقوب شرف المسيحية في كل أنحاء العالم ! .. بهذه اللهجة السعيدة كانوا يخاطبوننا.. تشابهت الدوافع رغم اختلاف الموروث، في الحقيقة لا أستطيع أن أنكر لطالما أسعدني ذلك وقتها كما أسعد الآلاف من أطفال مدارس الأحد، حيث كنا نتبادل الحديث حول يعقوب وكان لا يخلو من الترهات " نعم الرجل بات بارعا في جراحة القلب ومشهورا كونه مسيحي يصلي." 
 
لطالما حذر بعض المفكرين من تبعات هذه الأفكار إذ رأوا أن رمال كارثة متحركة تكاد تبتلع البلاد، فنصحوا وزارة التربية والتعليم أن تغير المناهج وتجعلها مناهج تليق بالإنسان، كما نصحوها بتنظيم العديد من الندوات في جميع مدارس مصر للتعريف بالآخر، لكن دائما ما وقف رجال الأزهر لكل الحركات الإصلاحية بالمرصاد ، ما زاد من وطأة التعصب، فثمة معضلة خانقة بمصر تحاول السعودية الانفكاك عنها بوتيرة محتشمة من خلال بث الرفاهية في البلاد، والله ولو كان ذلك لأهداف سياسية لصب في النهاية لمصلحة المواطن وفك عنه الكثير من التعصب، وفي ظل حديث اليوم عن أن الملايين يرفضون إحالة الشيخ عبد لله رشدي للتحقيق، هذا المتشدد الأصولي الذي أساء للمؤسسة العسكرية المصرية عندما أشاد بالدولة العثمانية وجرائمها، علاوة على تفاخره بالجيش التركي، ووصفه مسيحي مصر بالكفار، وكذا ملايين الأرثوذكس الذين أعلنوا رفضهم الاحتفال بعيد الميلاد المجيد في 25 ديسمبر  مؤخرا حتى لا يتشبهون بالكاثوليك، أعطي ذلك مؤشرا على أن التعصب ما ينفك يزداد، لذلك عندما يتحدث الفنان محمد صبحي ويطالب بتقدير دوره في نشر الفن الأخلاقي أصاب بالضحك ! .. فالرجل بحديثه يقلب مواجع ويعيد للأذهان بعض الأعمال الفنية في الثمانينات والتسعينات والتي لعبت على وتيرة الدين أيضا، فشاهدنا الآيات الدينية بصوت الراوي في نهاية بعض الأفلام المصرية الشهيرة، ومنها مسلسله ونيس الذي لازلت أحبه واقدره .. فمن خلال أسماء أبنائه أراد أن يكشف لنا أن مصر هويتها عربية.
 
 كان يستطيع المجتمع تلافي الكثير من التعصب وهذه الكيفية في التفكير، وربما كان سيتحلى الملايين بأقصى درجات ضبط النفس في حال رأوا احدهم ينتقد فتاوى الشيخ الشعراوي فلا يطالبون بقتله، كما حدث مع ابنة فنان مصري مؤخرا، لولا وجود المادة الثانية في الدستور ، التي سمحت للشيوخ المصابين بأشد التعصب في تصدر المشهد الديني ، وجعلت المسيحيين يتقوقعون على أنفسهم معتمدين في كل شيء على الكنيسة .. الجميع ضحية تفكيرهم لا أنكر ذلك .. ولا أنكر أيضا أن المادة الثانية في الدستور جعلت التعصب يتفشى بشكل كبير في المجتمع .. وأعتقد أن المدرس ضحية لخطب هؤلاء الشيوخ ." 
 
بعد واقعة الفصل شرعت على الفور في اليوم ذاته بالبحث عن شريط فيديو للمباراة التي تحدث عنها المعلم في نوادي الفيديو بالمنطقة التي اقطن فيها، وباءت كل محاولات البحث بالفشل، فرغم شعبية رياضة الملاكمة في العالم هي ورياضة كرة القدم، كانت نوادي الفيديو في مصر فقيرة بشرائط هذه الرياضات، فقط كل نادي فيديو كان يمتلك مكتبة ضخمة من شرائط المصارعة الحرة، وأفلام الاكشن لاسيما الصينية والأمريكية والهندية.. وبعد مضي شهور أوقفني صاحب نادي فيديو واختصني بقوله :" سألتني منذ مدة عن شريط لكلاي .. وقع في يدي شريط مجمع لأهم مبارياته تعال ادفع إيجاره وخذه ربما تجد فيه ما تبحث عنه.. ولا تنسى أن تبعث سلامي لوالدك" .. نعم والدي الذي منحني كل الحرية لمشاهدة الأفلام والذهاب لنوادي الفيديو بمفردي .. في مساء اليوم ذاته كان الشريط بحوزتي أدخلته في الفيديو وشاهدته مع والدي ، الذي فاجئني بمعرفته بكلاي، فعلمت منه انه لطالما حرص على مشاهدة مبارياته على التلفاز، وأن الملاكم الذي هزم كلاي يسمى "جو فريزر"، حيث كنت نسيته فور انتهاء الحصة، لكن للأسف لم أجد ضالتي.. وبعد انتشار الكمبيوتر والانترنت في مصر خلال فترة مراهقتي شاهدت مباراة كلاي مع فريزر والتي سميت بمباراة القرن.
 
جمع النزال بطلين لم يخسر أي منهما أي مباراة .. أدين لنفسي كوني تخلصت من عقدة التعصب مبكرا، فكانت دوافع اتجاهاتي تؤمن أشد الإيمان بعدما انتهيت من مشاهدة النزال أن "فريزر" درس أسلوب كلاي جيدا وهو الإفراط في الرقص خلال منازلة خصومه حتى تخور قواهم وهم يركضون خلفه فيباغتهم بالضربة القاضية، علاوة على صراخه في وجوههم لأربكاهم ما يصب في مصلحته في النهاية .. في الجولة الثالثة صام كلاي عن الرقص كثيرا  بعدما سدد له فريزر لكمة خاطفة جعلته يترنح طوال المباراة، لتتوالى بعدها لكمات فريزر الخاطفة القوية على جسده ورأسه، لاسيما اللكمة التي ألحقت الأذى بكلاي في الجولة الحادية عشر، والقاضية المدمرة في الجولة الأخيرة لتسقطه أرضا، لتنتهي المباراة بفوز فريزر، ويعتقد أن الضربات القاتلة التي تلقاها كلاي من فريزر هي السبب في إصابته بمرض (باركنسو) الذي جعله يعتزل الملاكمة.. في النهاية جميع البشر داخل دائرة التجارب والنجاحات والإخفاقات لكن مشكلتنا إننا لا نتعامل مع الأمور بما يناسبها، حتى التجارب العلمية نقحم فيها الدين اقتداء بالعبقري الدكتور مصطفى محمود رائد هذه المدرسة .. ربما لترضي عنا السماء ! .