بقلم : كمال زاخر
7 ـ أزمة مجتمع مفخخ
فى عالمنا الثالث، وبالأكثر فى شرقنا العربى، ومصر فى القلب منه؛ يولد الطفل وصفحته بيضاء، وتتولى الدوائر المحيطة به النقش عليها، البداية اسرته الصغيرة، تختار له الإسم، وينتمى لدينها، ومذهبها، ويتشرب منها لغتها، وينطبع فى ذهنه موروثها، وعاداتها، وحين يخرج إلى العالم خارجها تتلقفه البيئة المحيطة، ويصطدم بواقع يمارس عليه موازنات المقابلة بين رغباته وامكانات دوائره الصغيرة، وبينهما يدرك المعاناة بأقدار متفاوتة، بين الجموح والامتثال لقيود مجتمعه، ثم تتسع مداركه، وهو ينتقل من الحضانة للمدرسة الأولية، وفيها يكتشف أنه مختلف عن بعض أقرانه من زملاء الفصل، فى الشكل والطباع، ثم يكتشف تنوعاً أعمق، فيما يتعلق بالدين، وتبدأ الأسئلة الوجودية مبكراً، ويجد اجابات مرتبكة ومبتسرة وحادة فى أغلب الأوقات، خاصة فى المجتمعات المنغلقة، ويكبر ليصير صبياً ثم شاباً، وتزداد حوله الخطوط الحمراء، فى التعامل مع المختلف، فى الجنس والدين والموقع على السلم الإجتماعى، وربما فى الإنتماء العرقى، وحين يتعامل مع المجتمع العام، تتحدد معالم التعاملات الحياتية بناء على اتفاقه واختلافه مع من يتعامل معه فى انتماءاته الذاتية وعلى رأسها الإنتماء الدينى.
 
تتضافر آليات تشكيل الذهنية الفردية والعامة وتتصارع فى الإستحواذ على مجتمعاتها بغية اقتيادها إلى رؤيتها، الأسرة والمدرسة، والميديا ومنظومة الفنون المسموعة والمرئية، والمقروءة، وعمادها الكتاب والدوريات والصحف، والموروث عبرالمؤسسات التى تقوم عليه، ودوائر العمل، والسلطات الحاكمة، والثقافات المحيطة، وحركة التبادل الفكرى عبر الهجرات المؤقته والدائمة، وموجات الغزو الثقافى سواء كان حاداً أو ناعماً، حداثياً أو رجعياً، ولا يمكن إغفال التحولات التقنية العابرة للقارات، ولعل ابرزها ما صنعته الثورة الرقمية، والتى جعلت المعلومة فى كل يد، على حساب تدقيقها أو تحقيقها، جزء من الأزمة أن يعيش المرء تناقضات الخرافة والحداثة والموروث فى آن.
وقد قدر لى أن اعيش انقلابات مجتمعية حادة عبر سنوات عمرى الذى طال، فحتى سنوات الجامعة كانت مصر متصالحة مع نفسها، رغم معاناتها الإقتصادية، وكانت شوارعها معرضاً مفتوحاً لكل خطوط الموضة العالمية، فى نفس لحظة ظهورها فى عواصم الموضة، كانت الشياكة عنوان شباب تلك السنوات والأناقة عنوان بناتها، بغض النظر عن المستوى الإجتماعى، وقد عكست افلام السنيما هذا الأمر بجلاء، لم يكن مجتمعاً مخملياً ولا اسطورياً، لكنه كان متسقاً مع منظومة قيمه، وكانت العاصمة والمدن الكبرى تعيش التدرج الطبقى بغير مصادمة، وكانت كلمة السر "الطبقة المتوسطة" حلم الفقراء، ودرجة تؤهل للطبقات الأعلى، ربما لأن العمل كان منهج المصريين آنذاك، والتلمذة فى الورش والمصانع ودواوين الحكومة والأسواق كانت حاضرة.
 
وتأتى السبعينيات من القرن العشرين محتشدة بالإنقلابات والتحولات السياسية الحادة والتى انعكست على الشارع لتقلبه رأساً على عقب، ليعرف طريقه الى الهجرة المؤقتة لدول النفط، والهجرة الدائمة للغرب، وقد اقتربنا فى سطور سابقة من هاتين الهجرتين وتداعياتهما على من هاجروا ومن عادوا وانعكاسات كل هذا على الوطن.
 
لم يعد الريف منتجاً وقد فقد مقومات الإنتاج، بتضافر عدة عوامل، تفتيت الملكية مع زيادة عدد اسرة الفلاح، غياب الحلول العلمية لمشاكل الزراعة، هجوم الآفات وامراض الزراعة، تجريف الأرض لسد الحاجة إلى الطوب الذى يصنع من ناتج التجريف، مع إغراءاته المادية، مشاكل الرى مع تطورات ما بعد السد، هجرة الأرض إلى بلاد النفط، لهذا ولكثير من الأسباب صار الريف طارداً، ربما بالأكثر فى محافظات الصعيد، التى سقطت من خطط التنمية قبل وبعد يوليو 52، كانت المدن وخاصة القاهرة مناطق جاذبة لنزوح الريفيين، سواء الأثرياء الجدد العائدون من الخليج والدول العربية، أو الفقراء سعياً لعمل يتلمسونه فى المدن والقاهرة، وكلاهما نقل معه منظومة حياته، فتريفت المدينة، سواء فى احيائها الشعبية أو الأحياء المتميزة.
 
وفى غياب ادراك الحكومات المتعاقبة لمخاطر الهجرة الداخلية، وتداعيات التحول المادى للعائدين من الخليج، تشكلت منظومة الإعتداء على الأراضى الزراعية المتاخمة للمدن، وتم تجريفها وتحويلها إلى مبان عشوائية مفزعة، تفتقر للتخطيط وللبنية التحتية، ومعها تفقد القاهرة تدرجها الاجتماعى، ويلتصق بأحيائها المتميزة أحياء عشوائية تمثل قنابل اجتماعية موقوتة، وامتد التجريف وتقليص الرقعة الزراعية إلى الريف نفسه، ليتحول إلى مستهلك يوفر احتياجاته من المدن المتاخمة، وترتبك المدن ويرتبك الريف معها، وتتزايد البطالة السافرة والمقنَّعة، وتظهر اطياف جديدة من الجرائم
لم تكن سياسات الإنفتاح التى تبناها الرئيس السادات إلا الباب الذى تحولنا من خلاله من اقتصاد الإنتاج والقيمة المضافة إلى اقتصاد الريع، والذى استفخل مع مجئ الرئيس مبارك، ويتحول المنتجون، فى الريف والحضر إلى تجار ووكلاء وسماسرة، وتترنح المصانع ويتوالى توقفها ويرتبك الإقتصاد، ويزداد اعتمادنا على القروض وتتزايد دوامتها وتتوالى الإنهيارات، رغم مظاهر الإمتداد العمرانى فيما عرف بالمدن الجديدة المنبتة الصلة بالهوى المصرى، وقد نقلت لنا نماذج التجمعات المسورة والعازلة بل ودخلت المزارع فى حصار الأسوار، كنا على موعد مع تصحر المجتمعات وحصار منظومة القيم المصرية، وهو ما عكسته وعمقته آليات التنشئة وتشكيل الذهنية العامة، اذ توالت انهيارات مجالات الإبداع والفنون .. الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب والدراما، إلا قليلاً.
 
لم نكتف بمظاهر التصحر البدوى فى تفاصيل يومنا وحياتنا المادية، بل نقلنا أيضاً انساق التدين المتصحر، وربما نقلناها قبلها، ويعزى اليها تمهيد الطرق الى التصحر المادى والإجتماعى، كان التدشين المؤثر لحراك تديين المجتمع بنكهة التصحر مع هزيمة يونيو 67، والتى تم الترويج معها لتفسير أن سببها هو البعد عن "الله" وصحيح الدين، لتبدأ موجات الأنقلاب على منظومة القيم المصرية، والتدين المصرى أيضاً، وتتضافر أموال النفط وأفكار التصحر فى غزو مصر مجدداً، وكانت الذهنية مهيئة، تحت تأثير جراح الهزيمة والإنهيار الإقتصادى الصادم وسقوط الرموز، واكتشاف ابعاد الوهم المعاش، المصنوع.
 
لم نكن كأقباط نقف بعيداً، فقد لفحتنا نيران الهزيمة وحاصرتنا تداعيات الإنهيار الإقتصادى، وحين لاحت بوادر الحصار الوهابى والتطرف احتمينا بأسوار الكنيسة، التى شرعت ابوابها للمحتمين بها، على النحو الذى بيناه قبلاً، وقد تدثرت بعباءة الفكر الرهبانى، الملتبس وقتها، لنجد انفسنا بين تيارين متصحرين أحدهما من الصحراء الشرقية والأخر من الصحراء الغربية. أحدهما طارد ومتعقب والثانى حمائى ووقائى. وقد نحتاج لأن نقترب من تداعيات التصحر الرهبانى فيما بعد لنقرأه بتمعن يستحقه.
 
بدأ مشهد ما قبل السبعينيات يتغير، بشكل حثيث، ببطء لكن للخلف بهدوء فى بداياته لكنه يتنمر ويحتد بشكل متصاعد، واختفت مظاهر الحياة المتصالحة مع الطبيعة والرقى بشكل متدرج، لنقع فى قبضة التطرف الذى بدأ فكراً ثم ترجم إلى أفعال.
لا أعتقد أن الأمر كان عفوياً بل مخططاً ومدروساً وقد تكشف الدراسات والأبحاث ذات الصلة فيما بعد عن أنه متجاوز الصراعات الدينية التقليدية، وربما متجاوزاً أيضاً لدول المنطقة، وما الدين فيه إلا حصان طروادة الذى صنعته أجهزة الدول التى تمسك بخيوط إدارة العالم، ربما.
 
إذ كيف تنتقل الأسرة المصرية من التصالح مع الحياة والطبيعة والجسد إلى مخاصمتهم، وكيف يجمع ألبوم صور العائلة بين ما كانت الأمهات والجدات ترتدينه فى شبابهن مضاهياً أخر خطوط موضة العالم، فى البيت والشارع وعلى الشاطئ والرحلات، وبين ما ترتديه بناتهن فى اجيال ما بعد المرحلة النفطية، وبدعم وإصرار وأوامر جيل الأمهات والجدات، والآباء كذلك، وقد حرَّموا مظاهر الحياة التى كانوا يعيشونها، وهجروا الأناقة والشياكة إلى انساق ازياء التصحر؟!، اللافت انه حين كنا منفتحين على العالم ونحسب معرضاً للموضة لم نشهد هذا الطوفان المزري للتحرش الجسدي واللفظى الذي صار عنوان مرحلة ما نحسبه تديناً ولم تجد الكراهية والنفور الأسري في مرحلة التصالح مع الرقى موضعاً، فيما احتلت موقعا ثابتاً وأثيراً في عصر التدين اللاحقة.
فيما يبدو أننا تصالحنا مع القبح!!.
 
امتدت الهجرة إلى دائرة اصوات مقرئينا المبدعة لنستبدلها بأصوات تلك البلاد المفتقرة للطلاوة والإبداع والحميمية، وجنحنا باتجاه التأويلات المتشددة والمتجهمة، وطيف من هذه الهجرة وجد طريقه إلى الذهن القبطى ودوائر الإكليروس، ويكفى أن تقارن بين صور اجيالهم، رغم التفاوت الإجتماعى بين الأجيال القديمة منهم والأجيال الجديدة، ستلمس قدر تأثير صحرائنا عليهم. هو نفس التجهم ونفس التشدد، وافتقار الطلاوة والإبداع، يبدو أن مفردات الصحراء واحدة.
 
انتهى بنا المقام إلى نشر فكر دينى متشدد أحادى، أعاد تشكيل الذهنية العامة فخرجت من عباءته أجيال لا تعرف ـ ومن ثم لا تقبل ـ التنوع والتعدد، وترى الآخر "شراً" وتعزو اخفاقاتها إلى القبول بوجود هذا الأخر والتساهل معه فى التعامل اليومى والحياتى، هذه الأجيال تضم كل من تتعامل معه فى تفاصيل حياتك، فى دوائر العمل وفى الشارع وفى دواوين الحكومة وفى مفاصل الدولة، فى المدرسة والجامعة والمستشفيات والمحاكم واقسام الشرطة، والبائعين فى الأسواق وربما فى عملائك فى العمل، سواء العمل الخاص أو العام، بل أمتد الأمر إلى دوائر رجال الأعمال.
 
أخال لو أن رساماً أراد أن ينقل المشهد المعاش إلى لوحة لكان عنوانها "مجتمع مفخخ"
 
ويطل علينا السؤال مجدداً : هل من مخارج من هذا المشهد؟!
دعونا نواصل البحث والقراءة.