مفيد فوزي
-١-
هذا وطن ثابت الأركان متصالح الوجدان تحميه قواته المسلحة وتحرسه عناية الله. ناسه بسطاء يقصدون وجهه الكريم كل طلعة شمس ويجرى فى بطنه نيل يصنع النماء على شاطئيه. مساجده وكنائسه مفتوحة للمصلين، فالكل يركع للإله الواحد. عشت فى هذا الوطن أحداثا كثيرة وجسيمة. بكيت وضحكت وتعذبت ولم يغب عنى الأمل. كنت منتمياً لتراب البلد بالتاريخ والجغرافيا. اشتبكت مع الحياة العامة، صحفياً.. أرصد وأكتب. أرى وأنتقد، عشت كاتباً بعين مواطن. كتبت ما أعتقد وفصلنى النظام الشمولى ٩ أشهر كاملة كانت العذاب كله، فالاعتقال أهون من كف القلم عن الشدو! حين قابلت من فصلنى فى خريف العمر قال إن بعض القرارات فى الدولة تتم «بتوتر محموم» وبعضها عشوائى تفرضه اللحظة. وحين غرق مصريون فى حادث عبارة شهير وحققتُ الحادث وفهمتُ أنه لم تتم إيقاظ المسؤول الكبير وإلا كان عدد الغرقى قليلا حين تطلع سفن وطائرات إنقاذ، وحين قابلت المسؤول فى خريف عمره قال إن التخاذل كان رسمياً و«كل شىء راح لحاله»، وقابلت الصحفى الذى كتب «خطيئة مفيد فوزى» يوم تصديت للحادث، وقال إن الجو العام من الغضب الشعبى كان يفرض هذا العنوان الذى أغضبك! وقال لى: «إن حوادث عادية وطبيعية نهتم بها- دون وجه حق- إذا راقبتها الجماهير الغفيرة، فالجماهير تضيف السخونة للحادث رغم عاديته وكونه وارداً». وربما لم يتح لأحد أن يرى «جلاده» فى لحظات سكون دون رسميات ويبوح بهذه الاعترافات، لكنها لحظات صفاء النفس حين تذهب أردية الرسمية! وأظن أن لقائى منذ سنوات بالسيد سامى شرف الذى أحترمه كثيراً وأحترم أمانته على سيرة عبدالناصر. كنت قد قابلته أمام نادى هليوبوليس فى مصر الجديدة وذكّرته بحادث فصلى، فضحك وقال: «أفضل شىء النسيان». وأضاف سامى شرف: «تمسك بالأمل»، وكنا ننطق اسم سامى شرف همساً فى جلساتنا. وعندما قابلته حدثنى عن موقفه، شفاه الله.. وكانت أيام!

زمن عبدالناصر كان فيه «التنظيم الطليعى» وهو تنظيم سرى، من الممكن أن يكون زميلاً أو صديقاً ولكنه غير معلن، وإضفاء السرية على هذا التنظيم جعل المجتمع يعانى شيئا من الخوف، وحين كبر الخوف من مخابرات صلاح نصر والتنظيم الطليعى السرى كنا نشعر بطعم الدولة البوليسية. وحين كتب المؤرخون عن فترة عبدالناصر لم يغفلوا هذه الشبكة المخابراتية التى تحكم الحياة فى مصر. وكان من أهم أخطائها التمهيد للوحدة مع سوريا. كانت التقارير متفائلة أكثر من اللزوم، حيث إن عبدالناصر لا علم له بمجتمعات التجار فى سوريا، واعتبر الأمر عادياً ولكن الأحداث المؤسفة بكسر الوحدة مع سوريا كانت خطأ التقارير التى أغفلت «مجتمع التجار» فى سوريا!

-٢-
إن التاريخ ليس حوادث وأحداث الأيام الميتة كما كان يقول الشاعر الكبير نزار قبانى، التاريخ ليس ميتاً، إنه فى حالة حركة لأنه يصب فى الحاضر، وصدق تشرشل يوم قال: «قارئ التاريخ لا يخيب». إنه يقرأ عن دروس وخبرات، ومن يرى التاريخ مجرد حكايات مسلية يخطئ، فهو يترك بصماته على الزمن والإنسان. والمؤرخ شخصية محايدة يرى الحدث فى سياقه الحقيقى. ولكن النظر للأحداث فى لحظتها هى نظرة «إعلامية» وليست تسجيلاً تاريخياً، ولذلك فكتابة التاريخ الحقيقى بعد حين، حيث تتجرد النظرة من الشخصانية. إن تاريخ عبدالناصر شهد مثلاً تجاوز جهاز المخابرات وفساده حتى إن الرئيس أمر بأن يتولى التحقيق مع السيد صلاح نصر السيد حلمى السعيد الذى اشتهر بالنزاهة والموضوعية، وخلاصة القول أن الأجهزة السيادية يجب أن تمارس دورها الطبيعى وهو حماية الوطن داخلياً وخارجياً من الفتن والدسائس، ويقينى أن أجهزة مخابرات العالم الناجحة اهتمت بهذا الجانب. وإذا انحرفت أجهزة مخابرات، كما جرى فى زمن ناصر، فقد كان رائعاً أن يجرى تحقيقات بشأن تجاوزاتها. وليس طبيعياً أن تتولى أجهزة المخابرات ملفاً مثل الإعلام، كما ليس من المعقول أن يتولى رجال الإعلام هذه المهمة السيادية. إن الإعلام فن من الفنون، له أدواته وأساليبه ويعتمد على المهارات الشخصية والذكاء الخاص، وأقصد به «الفطنة المهنية»، ومن رأيى المتواضع أن دخول الجهاز السيادى هذا الملف يخالف طبيعة الأشياء. هذا الفن الكبير له عالمه ومفاتيحه واجتهاده. أنا لم أتلق علوما علمتنى الإعلام ولكنى مارست التحقيق الصحفى والتحقيق التليفزيونى بخبرة شخصية وليس من كتب. وإدارة ملف الإعلام ككتيبة عسكرية لا يجوز، لأنى بعد ٣٧ سنة على شاشات التليفزيون وشبكات الإذاعة منحتنى خبرة. ويصدق قول أبوغزالة حين قال: «الحرب تعلم الحرب». نعم الإعلام ليس علوماً تكتيكية ولكنه فن بالكلمة والإشارة والصورة والرمز.

إن التكتيك هو من أدوات العسكرية الصماء، وهذا القائد الجسور السيسى'> عبدالفتاح السيسى استطاع أن يحول مجرى تاريخ مصر من الإخوان إلى مصر الحقيقية، المتدينة بلا شعائر جوفاء، كانت خطوة السيسى مدروسة، والحق يقال، إنها كانت مغامرة موت، فالإخوان الذين تمنوا حكم مصر إلى الأبد، ضربهم قائد جسور فى مقتل وأقام دولة ثابتة الأركان متصالحة الوجدان. وإذا كانت الأنظمة السياسية تصحح أخطاءها أثناء الحكم، فإن الرئيس- بوعى كامل، وفهم عميق- ما عاد يعتمد على صبر المصريين الذى قد ينفد ولكنه يعتمد على الوعى. ودعونا نقول إن السيسى يخاطب وعى المصريين، وارتفاع منسوب الوعى يعتمد على ثقافة انتماء وإعلام متنور. هل برغم خبرات إعلاميه ممارسة يجب الاستفادة منها وهناك كفاءات عالية وطنية لا يشكك أحد فى وطنيتها. ثم لماذا «الأجور» إلى النصف؟ الإعلام سلعة غالية ومكلفة مثل الأمن، ولماذا «رجال الإعلان» وسطاء عن رجال الإعلام، وفرق بين الإعلام والإعلان، ولماذا «شباب غير مؤهل» يخاطب الناس؟ ولست ضد شباب بلدى الموهوب ولكننى أرفض «القرابة» فى العمل الإعلامى، وأرفض شابة حلوة فارعة تخاطب المصريين، فمصر تستحق أكبر الطاقات والخبرات.

-٣-
أرفض «تحديد» موضوعات الظهور التليفزيونى، فلابد من الأداء الذاتى المعتمد على موهبة لا ولاء! الولاء للبلد مطلوب وحتمى ولكنه ليس شرطاً للإعلامى ليبدع، إن معظم الناس- بصراحة مطلقة- هجروا الشاشات وذهبوا إلى اليوتيوب. فأنا واحد منهم أستطيع أن أرى اليوتيوب بمهارة هندسية.. على شاشة التليفزيون وأشاهد قنوات أخرى عربية وأجنبية وربما نسيت شاشة القناة الأولى فى ماسبيرو. إن اختيار الشخصيات فى برامج التليفزيون لا يجب أن يحدده جهاز سيادى محترم ليست هذه مهمته، إنما «يلعبها» مذيع شاطر موهوب، وقد اخترت كلمة يلعبها لأنها تحكى عن الواقع الذكى. حتى برامج الجماهير صارت مضحكة ولا تمت بصلة للواقع، لأن المونتاج يحذف النقد ويبيح التطبيل والنفاق، ولا أغفل مطلقاً صحوة «مجلس الشعب» فإنى أرى برلمان مصر «يتعافى»، وأتمنى لإعلام مصر أن تطلق يداه بلا قيود وأن تظهر برامج الهواء مهما كان فيها «خربشة» للحكومة. فالكتمان «فيه سم قاتل»، والإفصاح يبصر النظام، صحيح يعترينى شىء من الخوف عندما أبوح بكل ما أريد لإعلام بلدى وهو إعلام وطنى، حريته ضرورية ليرفع منسوب الوعى ويعيد الناس للشاشات ولتكن منابر مختلفة، فبئس الشاشة الواحدة، لا تعيدوا خطأ عبدالناصر حين حرص النظام الشمولى على شاشة واحدة. فهرعوا إلى شاشات أخرى معادية بحثاً عن الحقيقة!

-٤-
المذيع المتمكن الموهوب يملك أن يدير برنامجه بلا أوامر ولا تحديد شخصيات ولا تحديد أطر الحوار.

من يملك أن يخاطب «كرسى المحافظ» الذى غاب فى قضية سقوط طفلين فى بلاعة؟! أنا فعلت هذا بنفسى ومن بنات أفكارى لدرجة أدهشت المخرجة، ومازال الناس يتكلمون عن اللقطة بعد عشرات السنين.

من يفكر أن يكون اللقاء مع أطول فنانة فى مصر «مديحة يسرى» وقزم «صالح عيد» وعاش اللقاء طويلاً؟ أنا فعلت هذا، لم يفكر لى رئيس تحرير «موضة هذا الزمان»، ولم يفكر لى معد، إنما هى فكرة طرأت، يا سادة الإعلام فن لا صلة له بأجهزة سيادية يتصدرها بشر ليس فى يدهم المنح أو المنع. أجهزة لها احترامها وتقديرها ولكن الشاهد على الشاشة ضعيف وساذج باستثناء الرياضة، فالكباتن هم نجوم الاستديو التحليلى، وصار المذيع أداة، اعمل كيت وكيت بالأمر، ومن هنا يقدمون البرامج بلا روح. أكتب بصدق من منصة وطنية، ولا أخاف لأنى متجرد صاحب رأى ليس إلا.
نقلا عن المصرى اليوم