ماهر عزيز بدروس

 
استشارى الطاقة والبيئة وتغير المناخ
 
مستقبل الطاقة فى العالم هو أمر يشغل جميع العاملين فى الطاقة العالمية، حيث تنضب سريعاً المصادر التقليدية، ويسعى العالم بتوتر بالغ فى البحث عن مصادر بديلة، ففى غضون أربعين إلى خمسين سنة قادمة على الأكثر ستنضب إلى غير رجعة كل المخزونات العالمية من النفط والغاز الطبيعى.
 
وليست مصر بعيدة عن الموقف العالمى للطاقة.. بل ينعكس فيها الموقف العالمى بواقعية شديدة، يتعمق فيها هذا المأزق عينه على نحو بالغ الخطر.
 
الوفرة الظاهرية الحاضرة للطاقة بمصر
أول مكامن الخطر فى المشهد المستقبلى للطاقة بمصر يقبع فى الوفرة الظاهرية الحاضرة لموارد الطاقة، فكشوف غزيرة للغاز الطبيعى قد تمت وجعلت المخزون المصرى من الغاز الطبيعى يرتفع إلى ما يتجاوز عتبة التسعين تريليون قدم مكعب، وكشوف جديدة للنفط أغنت مصر عن استيراد المنتجات النفطية الآن وإلى حين، ولاتزال هنالك إضافات كامنة وفيرة لمصادر الطاقة الأحفورية تكشف عنها الأيام تباعاً.
 
أما فى قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة فلقد أمكن الخروج من أزمة طاحنة خطيرة لنقص فادح فى الإمداد بالكهرباء، من خلال استراتيجية متسعة شملت خطة عاجلة أسفرت عن إضافة ما يربو على 22,000 ميجاوات مركب في حوالى 4 سنوات، والمضى قدماً فى تنفيذ مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وتطبيق برامج جادة لكفاءة الطاقة وترشيدها فى ظل تقليص حاسم لدعم الطاقة لحساب برامج الضمان الاجتماعى والنهوض بالصحة والخدمات.. لكن العامل الأكثر حسماً فى هذه الاستراتيجية كان القرار الشجاع بعيد الأثر للتنويع المستقبلى لمصادر إنتاج الكهرباء، والبدء الفعلى فى إعادة هيكلة مزيج التوليد الكهربى، باستدخال مصادر الفحم والقوى النووية فى مخطط التوسعات فى التوليد الكهربى حتى عام 2030.
 
المؤشرات الظاهرة للتحسن الجوهرى فى توفير الطاقة الكهربية
وقد ظهر الأثر المباشر لهذه الاستراتيجية المتسعة الشاملة فى زوال أزمة الطاقة الكهربية نهائياً، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي، بل والتحول إلى التصدير..
 
لكن تطورات مهمة حدثت، بالترتيب على التطورات الكبيرة، التى أزالت نهائياً العجز فى
 
الإمداد بالطاقة:
 فإجراءات رفع الدعم تدريجياً، ورفع كفاءة الطاقة فى الاستهلاك المنزلى والتجارى والصناعى أسفرت عن تقليص فاتورة الاستهلاك لمعظم العملاء، وارتفاع المؤشرات الدالة على الترشيد..
 
 ووجود الكثير من المناطق الصناعية والمدن الجديدة تحت الإنشاء حالياً دون احتياج راهن للكهرباء أعطى مؤشرات مهمة بانخفاض معدل زيادة استهلاك الكهرباء، وانخفاض معدل النمو الإجمالى فى استهلاك الطاقة:
 
• فسجل معدل النمو فى الحمل الأقصى الكهربى عام 2018 / 2019 حوالى 4.5% مقابل 7.17% عام 2013/2014،
 
• وانخفض معدل النمو فى الطاقة الكهربية المولدة عام 2018 / 2019 إلى حوالى 3.5% مقابل 4.5% عام 2013/2014.
 
الخطر المتربص بالمنظورات المستقبلية للطاقة الكهربية
وقد حدث ذلك فى الوقت الذى كانت الجهود تجرى فيه على قدم وساق للارتفاع بالقدرات الكهربية المركبة، للقضاء الجذرى على أية مشكلات قائمة أو محتملة فى الإمداد بالطاقة الكهربية، وبفضل مشروعات تشييد القوى الكهربية الجديدة زادت القدرات المركبة تباعاً من 32,118 ميجاوات عام 2013/2014 إلى 55,213 ميجاوات عام 2017/2018 بمتوسط معدل تطور للقدرات المركبة 14.5% سنوياً خلال الفترة 2013-2018، وهو أعلى معدل نمو سنوى للقدرات الكهربية بمصر منذ دخول مصر عصر الكهرباء.
 
فإذا كان الحمل الأقصى الحالى لا يزيد على 32,000 ميجاوات، توجد زيادة حالية فى القدرات المركبة تبلغ حوالى 23,000 ميجاوات، وإذا ثبت معدل نمو الاستهلاك الكهربى بين 3.5% و4.5% خلال السنوات الخمس القادمة، فإن هذه الوفرة تغطى الزيادة السنوية المطلوبة فى القدرات المركبة لحوالى 5 – 7 سنوات قادمة، لكن بعد هذه السنوات الخمس إلى السبع ستحتاج مصر حتماً إلى قدرات مركبة جديدة..
 
وإذا دَخَلَتْ المناطق الصناعية والمدن الجديدة الخدمة تباعاً خلال السنوات القادمة فإن القدرات المركبة الزائدة المتوافرة حالياً سيتم استيعابها كلها خلال أقل من خمس سنوات قادمة، مما يعجل بالإضافات الجديدة المطلوبة بعد خمس سنوات على الأكثر.
 
ويدحض ذلك الإدعاءات التى تتعالى حالياً بأن مصر لم تعد بحاجة إلى قدرات كهربية مركبة مستقبلية فى المدى المنظور، وبالتالى يتعين أن تختفى مشروعات مهمة من خطة التوسعات فى القدرات المركبة.. وذلك هو الخطر المحدق الآن بمستقبل الطاقة فى مصر.. ذلك هو الخطر الكبير الذى تواجهه مصر الآن..
 
الخطر هو أن يسود الظن بأن قدرات مركبة مهمة مستقبلية يجب أن تختفى، وأن تعاقدات مهمة حالية يجب أن تُلغى!!
 
تفاقم خطورة الوفرة في القدرات المركبة
هذه الوفرة الظاهرة فى القدرات الكهربية المركبة تَفَاَقَمَ خطرُها على نحو جسيم عندما طالعتنا مصادر منشورة بالاستغناء عن مشروعات كبرى للتوليد الكهربى.. ففى عددها الصادر فى 29 سبتمبر 2019 أشارت جريدة "باور نيوز" إلى "تطورات مثيرة وغير متوقعة فى سير الأحداث" بمشروع محطة مصر الأولى بالفحم فى عيون موسى، "وطبقاً لتوجيهات الدولة تقرر استبدال مشروع محطة الكهرباء بالفحم فى عيون موسى بمشروعين للطاقة الشمسية وطاقة الرياح"، وذلك حسبما علل الخبر "يتماشى مع مصلحة الدولة التى تمتلك فائضاً فى القدرة المركبة يتجاوز 20 ألف ميجاوات"، كما أشرنا أعلاه.
 
وليس ذلك فحسب، بل تابع الخبر المنشور بأن ذلك "يمكن أن يكون خطوة لإلغاء كل مشروعات الفحم بمصر، وأبرزها بالطبع محطة الكهرباء بالفحم فى موقع الحمراوين"، متعللاً أيضاً بأن ذلك "للحد من الأعباء المالية، وعدم إضافة ديون جديدة على كاهل الدولة"، رغم ما هو معروف عن وجود أنماط تمويل متعددة منها ما يعفى الدولة تماماً من تحمل مليماً واحداً فى تشييد هذه المحطات الجديدة!!!
 
لكن الخطر الخفى غير المنظور للوفرة الطارئة في القدرات المركبة يتفاقم بشدة حين تُلْغَى مشروعات محطات الكهرباء بالفحم من خطة التوسعات فى التوليد الكهربى بمصر!!!
 
وهذا الخطر يتفاقم بشدة نظراً لما أوردناه سابقاً من احتياج مصر إلى قدرات كهربية جديدة بعد حوالى خمس سنوات على الأكثر، وهى المدة الزمنية التى يستغرقها بناء محطة الكهرباء بالفحم لو بدأ تشييدها اليوم، لتدخل الخدمة بعد خمس سنوات، حين يكون الاحتياج لها حاتماً وحاكماً.. خصوصاً لو عرفنا أن قدرات تزيد على 2000 ميجاوات انتهى عمرها الافتراضى فى الشبكة.
 
يضاف إلى ذلك أن خطراً هائلاً يتربص بمصر من جَرَّاء التنازل عن الهدف الاستراتيجى الذى أعلنه السيد الرئيس عام 2014 إبان الأزمة الكبرى للطاقة التى طحنت مصر، وهو حتمية تنويع مصادر الطاقة الكهربية فى مصر باستدخال الفحم والنووى فى مزيج التوليد الكهربى.
 
ولكى نقدر حجم هذا الخطر الهائل على مستقبل الطاقة فى مصر يتعين أن ندرك أن حوالى 61% من كل الإنتاج المصرى من الغاز الطبيعى يذهب لتشغيل محطات الكهرباء، التى تعتمد على استخدام الغاز الطبيعى بنسبة تربو على 85% من إجمالى القدرات الشغالة، وفقاً لإحصاءات عام 2017/2018.
 
ويعنى ذلك أنه مع افتراض وضع برامج صارمة لترشيد الطاقة ورفع كفاءتها أكثر،
 
وبفرض معدل نمو سنوي لاستهلاك الغاز الطبيعى حوالى 4% فى المتوسط (رغم أن مصر تخطط لبلوغ معدل نمو اقتصادى 6% سنوياً حتى عام 2030 على النحو المعلن فى استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية)، ومع وجود احتياطى مرجح معلن يربو على 90 تريليون قدم مكعب، وحتى مع احتمالات زيادته إلى ما يربو على 150 تريليون قدم مكعب فإن الطلب التراكمى على الغاز الطبيعى لقطاع الكهرباء، مع برامج الاستهلاك الأخرى للغاز في الصناعة والنقل والقطاع المنزلى، يقضى على جميع مخزونات الغاز الطبيعى فى مصر فى مدى لا يزيد على 15 إلى 20 سنة قادمة بما ينذر بكارثة هائلة -لاقدر اللـه- بحلول عام 2035، إن لم يكن بمصر مصدراً بديلاً للطاقة الكهربية يحقق استمرارية واستدامة الإمداد.
 
حتمية استدخال الفحم والنووى فى مزيج التوليد الكهربى المصرى
وهكذا.. فإن الأمل الوحيد الباقى لمصر للحفاظ على اقتصادها وشعبها بمنأى عن أزمات الطاقة الطاحنة يكمن فقط فى استدخال القوى الكهربية بالفحم والنووى فى مزيج التوليد الكهربى المصرى، بدءاً من اليوم، لأن المحطة الواحدة للكهرباء بالفحم تحتاج خمس سنوات لتشييدها، وكذا النووية تحتاج من 5-7 سنوات لتشييدها، وذلك فى وجود الطموح البالغ للقوى الكهربية الجديدة والمتجددة التى من المخطط بلوغ مشاركتها فى مزيج التوليد الكهربى المصرى 42% بحلول عام 2035، وهو هدف صعب المنال.
 
وهكذا.. فإن خيار الفحم هو خيار حتمى يلزم التوجُّه إليه عاجلاً، وتخسر مصر خسارة باهظة لو تم إلغاء مشروعات الفحم المعلن عنها حالياً من مخطط التوسعات فى التوليد الكهربى، خاصة فى ظل تهاوى جميع الترخصات المتجنية التى تهاجم تكنولوجيا الفحم النظيف الكهربائية من زاوية التأثيرات البيئية والمناخية، أمام التكنولوجيا المتفوقة بيئياً التى تقدم المستثمرون حالياً لتشييدها في مصر، وفى ظل بقاء الفحم مصدراً مهماً للطاقة في العالم حتى 200 سنة قادمة، كما يشارك حالياً في توليد 38% من الكهرباء العالمية.