الأنبا إرميا
استكملنا حديثنا بالمقالة السابقة عن «الحاكم بأمر الله»، وعما ذكره عدد من المؤرخين أنه ادعى الرَّبوبية، واختفائه الذى تعددت فيه القصص والأقاويل. أمّا «الكنيسة القبطية» فى ذٰلك الزمان، فكان يرأسها «البابا فيلوثاؤس» (979-1004م) الذى خلفه على الكرسىّ المَرقسىّ البابا «زخارياس» («زكريا») الرابع والستون فى بطاركة الإسكندرية.

«البابا زخارياس» (1004-1032م)
بعد نياحة «البابا فيلوثاؤس» بطريرك الإسكندرية الثالث والستين، اجتمع الأساقفة بـ«كنيسة مار مرقس الرسول» لاختيار أب بطريرك، وفيما هم يتباحثون وصلت إليهم أخبار عن أحد أعيان الإسكندرية ويُدعى «إبراهيم بن بشر» أنه انتهز فرصة قربه من الخليفة «الحاكم بأمر الله» وحصل منه على مرسوم بتعيينه بطريركًا، وأنه متجه إلى «الإسكندرية» يصطحبه عدد من الجنود!!، فانتاب الآباء الأساقفة حزن عميق، واتفقت آراؤهم على تقديم «الأب زخارياس» بطريركًا، وأتموا سيامته باسم «البابا زخارياس». وعندما وصل «إبراهيم بن بشر» «إلى الإسكندرية»، كانت قد انتهت سيامة البابا البطريرك؛ فطيّبوا خاطر «إبراهيم بن بشر» ورسموه قَسًّا ثم قمصًا.

كان «البابا زخارياس» من أهل مدينة «الإسكندرية»، معروفًا بوداعته وطهارة سيرته؛ فرُسم قَسًّا على «كنيسة الملاك ميخائيل بالإسكندرية»، ثم اتفقت الآراء على تقدمته بطريركًا ـ كما ذكرنا. وقد ذكر عدد من المؤرخين أنه كان شديد التدقيق فى اختيار الآباء الأساقفة وسيامتهم، إلا أنه أقام مجلس أساقفة لمناقشة المشكلات الدينية وحلها، كان كثير منه من معارفه وأقربائه، فلم يراعوا ثقة الأب البطريرك بهم والأمانة التى وُضعت بين أيديهم فكانوا يقبلون الرَُِّشوة، واعوجَّت أحكامهم؛ وكان لذٰلك الأمر تأثير كبير فى نفس البابا وأدخله فى أحزان وضيقات وشدائد كثيرة.

البابا والسباع
من الضيقات التى مرت بـ«البابا زخارياس» أن راهبًا يُدعى «يوحنا» ـ قيل إنه كاهن على «قرية أبى نفر» بالجيزة ـ رغِب أن يكون أسقفًا وطلب إلى البابا أن يرسمه؛ وكان للبابا البطريرك ابنُ أخٍ أسقفٌ على «سخا» يُدعى «أنبا ميخائيل» محب للمال طلب من «الراهب يوحنا» هٰذا أموالاً كى يحقق له مأرَبه؛ فوعده «الراهب يوحنا» بدفع المال لٰكن بعد رسامته أسقفًا؛ فغضِب «أنبا ميخائيل» وبدأ فى الوقوف ضده. وبدأ البابا يناقش أمر ذٰلك الشخص مع الأساقفة فوجد أنه غير صالح ورفض طلبه، لٰكن «الراهب يوحنا» عاد فألح، فطلب البابا أن يُمهله فى أمر رسامته فلم يقبل بل هدد باستخدام نفوذه وعَلاقاته القوية برجال الدولة!!، فلم يعبأ «البابا زخارياس» بتهديداته وأمره بمغادرة المكان.

رفع «الراهب يوحنا» شكواه إلى الخليفة؛ ووصل الأمر بعض الكتاب الأقباط الذين حاولوا تهدئة الأمور مرسلين إليه تزكية منهم، وخطابًا إلى البابا يلتمسون فيه تعيين «الراهب يوحنا» أسقفًا. حمل «الراهب يوحنا» التزكية والخطاب ليقدمهما إلى البابا الذى كان بوادى النطرون؛ فقابله «أنبا ميخائيل» وعرَف بالأمر وخشى سيامته وحاول التخلص منه؛ ولما بلغ الأمر «البابا زخارياس»، غضِب جدًّا على ابن أخيه، وأنقذ «الراهب يوحنا» لٰكنه لم يرسمه أسقفًا. غضِب «الراهب يوحنا» جدًّا ورفع عدة شكاوى إلى «الحاكم بأمر الله» ضد «البابا زخارياس» متهمًا إياه ظلمًا بمكاتبة ملوك النوبة والحبشة بأمور البلاد، وأن المَسيحيِّين يتعرضون لاضطهادات شديدة؛ فما كان من الحاكم إلا أنه أمر بإلقاء القبض على «البابا زخارياس» وبعض الأساقفة؛ ويذكر «القَسّ مَنَسَّى يوحنا» عن ذلك: «وألقاهم فى السجن ثلاثة شهور؛ ثم طُرح البطريرك بعد ذٰلك للأسود هو وراهب يُدعى «سوسنَّة النوبىّ» فلم ينَلهما ضرر، بل تآنست بهما!!، ومما ذُكر أن أحد الأسود كان يأتى وينطرح تحت قدمى «الراهب سوسنَّة» ويلحسهما!!»، و... والحديث فى «مِصر الحلوة» لا ينتهى!

* الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى
نقلا عن المصرى اليوم