فاطمة ناعوت
أعرفُ كثيرين ممن أثق أنهم قبضوا على صورتهم الأجمل، وتلبّسوها. مارتن لوثر كنج، غاندى، طه حسين، الأم تريزا، ابن رشد.

هل ترى نفسَك جميلا ورائعًا وكامل الأوصاف. إذن لماذا يكرهُك بعضُ الناس ويلصقون بك صفاتٍ قبيحةً لا تراها فى نفسك؟ أم ترى نفسك مليئًا بالعيوب والنواقص؟ فلماذا إذن يُحبُّك بعضُ الناس ويرونك أرفعَ الخَلق وأسماهم؟ ليس للنسبية علاقة بهذا الأمر؛ بل بتعدد نسخنا. فكل منّا له نسخٌ عديدة، ولا أقول أقنعة.

يشغلنى هذا الأمر منذ مراحل الصبا التى ظننا فيها (ولم ينجُ من هذا الظن أحدٌ) أن بوسعنا تغيير الكون إلى الأفضل، وأن الله قد خلقنا- نحن بالذات- لكى ننقلَ الوجودَ نقلةً نوعية ليتحرك من خانة التعاسة والبؤس والأنانية والبغض إلى خانة السلام والتحضر والطفولة والفرح؛ حيث أراد له اللهُ أن يكون. إذ لا يستوعبُ عقلى أن الله الرؤوف الرحيم قد خلقنا لنقتتل ونتباغض ونقسِّم الكوكبَ فِرقًا وشيعًا وأطيافًا وأُممًا وقبائلَ متنافرة متعنصرة متشاكسة متباغضة، بل «لِتعارفوا» (الحجرات ١٣).

نعود إليكَ وصورك المتعددة لدى نفسك ولدى الآخرين. أظنُّ أن لكلِّ منّا نسخًا ثلاثًا، لا واحدة. نسخةٌ أولى تمثل تصورك الخاص عن نفسك. ونسخة ثانية يراها الآخرُ. وبما أن هذا الآخر كثيرٌ بتعداد مَن تعرفهم ومن يتعاملون معك، فإن هذه النسخة تتشظّى إلى نسخ عديدة بتعداد معارفك. أما النسخة الثالثة فهى «أنت» الحقيقى. وهذه النسخة غالبًا غائمةٌ مضللِة تكسوها الظلال؛ لهذا لا يعرفها أحدٌ حق المعرفة، ولا حتى أنت تعرفها على وجه الدقة. وربما لهذا قال «سقراط» قولته، التى تبدو، لفرط عمقها، ساذجة: «اِعرفْ نفسَك»، وكأنما يطلب المستحيل، لأن المرءَ قد ينقضى عمره كاملا دون أن يعرف نفسه. فمعرفة النفس ليست بالمهمة اليسيرة كما يُظن، بل هى لغزُ الكون وسرُّ الإنسان الأعظم الذى أفنى فيه الفلاسفةُ حيواتهم ليصلوا إلى معايير تفكُّ شفرته، دون جدوى.

وفِى الأخير، هناك نسخةٌ رابعة «افتراضية»، هى محور مقالى. هى النسخة الأجمل منك. هى الصورة التى، حين تنظر إلى المرآة، ترجو أن تراها، تشْخصُ فى ملامحها وتقول: ليتنى هى! وربما خادعتَ نفسَك قليلا وظننتَ، أن تلك التى تراها الآن منعكسةً على صفحة المرآة المتلألئة، هى أنت ولا أحد سواك. هى الصورة التى تتمنى أن تكونَ عليها، وتفنى عمرك فى محاولةٍ للوصول إليها. لهذا هى افتراضية، غير واقعية. مجرد صورة فى مرآة، كلما حاولت القبض عليها فرّت منك كما السراب الذى لا يُنال. لكن قليلاً من الناس يعرفون كيف يطاردونها حتى يمسكون بها؛ ثم يقبضون عليها؛ ويعضّون عليها بالنواجذ، ثم يتلبّسونها، ويلبسونها، ويتدثرون بثوبها الجميل الأنيق. فإذا ما ذاب ذلك الثوبُ الافتراضىُّ فوق أجسادهم الواقعية واتحدّ بخلاياها، صاروا هى، وصارت هم.

هنا فقط يقدر أولئك الأقوياء ذوو البأس أن يكونوا كما شاءوا هم، وليس كما شِىءَ لهم أن يكونوا. كأنهم يُعيدون خلق ذواتهم على النحو الذى يشتهون، وليس كما شاءت لهم الچيناتُ الوراثية والتربية الأسرية والتنشئة المدرسية والمجتمعُ والنصوص الموروثة والعادات والتقاليد. هذا ما أسميه: «الاشتغال على النفس». إعادة تربية النفس على النحو الأمثل، لنجعل من أنفسنا صورًا أرقى من البشر. هنا يرمى بنا الحديثُ حول إشكالية هل الإنسان مُصيّرٌ أم مُخيّر؟ وهذا ليس موضوعنا على كل حال. إنما إعادة بناء ذواتنا على النحو الذى ننشد. وهو مطمح الفلاسفة منذ فجر الضمير الإنسانى. صورة «سوبر مان» أو «الإنسان الفائق» كما رسمه «نيتشه». الإنسان الفائق ذاك، يصنع الجمالَ، لأنه جمالٌ، ويتجنب الشرَّ، لأنه شرٌّ. لا طمعًا فى مكافأة، ولا خوفًا من عذاب. بل ببساطة يسعى لأن يكون متحضّرًا راقيًا لأنه يؤمن أن الإنسان يجب أن يكون متحضّرًا راقيًا.

أعرفُ كثيرين ممن أثق أنهم قبضوا على صورتهم الأجمل، وتلبّسوها. مارتن لوثر كنج، غاندى، طه حسين، الأم تريزا، ابن رشد، جبران، روزا باركس، وسواهم الكثير.

وماذا نفعل بما لدينا من نسخ عديدة من ذواتنا؟ فى تقديرى يجب ألا ننشغل بالنسخ الثلاث الأولى. فالحقيقة مجهولة، لا جدوى من معرفتها. وصورتاك فى عين نفسك، وفى عيون الآخرين عمياوان، زائفتان؛ تحكمهما كثير من المعاملات الدخيلة مثل الذاتية والهوى والبغض والمصالح... إلخ. أما الصورة الافتراضية الأجمل التى تتمنى أن تشاهدها كلما شخصتَ فى المرآة، فهى التى، فى ظنى، يجب أن تكون طريدتنا. هى التى لو صببنا عليها محاور اهتمامنا، ربّينا أنفسنا وقوّمناها لكى نصير أجمل وأفضل وأرقى وأكثر إنسانية وتحضّرًا. حاول أن تقبض على صورتك الأجمل فى المرآة؛ حتى تصير إنسانًا. «الدينُ لله والوطن لمن يحبُّ الوطن».
نقلا عن المصرى اليوم