الأقباط متحدون - هل هذه حقاً بديهيات دينية؟ (2)
  • ٠١:٣٨
  • السبت , ٢٧ مايو ٢٠١٧
English version

هل هذه حقاً بديهيات دينية؟ (2)

مقالات مختارة | خالد منتصر

٥٠: ٠٨ ص +02:00 EET

السبت ٢٧ مايو ٢٠١٧

خالد منتصر
خالد منتصر

«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»

بما أن ما يؤرق المتأسلمين هم سياسى بالدرجة الأولى به من ألاعيب السياسة وحيلها أكثر مما به من سماحة الدين ورحمته، فإن الحكم يصبح هو الهدف والخلافة تصير هى الغاية، ولا بأس من وضع بعض الأصباغ الفقهية حتى يختفى الوجه الحقيقى خلفها ولا تظهر قبحه السياسى ودمامته الانتهازية، وليس أفضل من سلم النصوص للقفز على كراسى الحكم، ولا يوجد نص فى القرآن كله استخدم فى غير ما قدر له وما أنزل بسببه، وبكل انتهازية مثل هذا النص ولكى نفهم ما هو المقصود بهذه الآية وغيرها مما ورد فى سورة المائدة «فأولئك هم الكافرون.. فأولئك هم الظالمون.. فأولئك هم الفاسقون» لكى نفهم المراد من تلك الآيات لا بد أن نفهم أولاً كيف استخدم القرآن مصطلح الحكم، وماذا كان يقصد به؟ استخدم القرآن مصطلح الحكم بمعنى الحكمة أو القضاء.. قضاة الله أو قضاة القاضى رسولاً كان هذا القاضى أو غير رسول، ولم يستخدم بأى حال من الأحوال أو فى أى مواطن من القرآن الكريم بمعنى الحكم أو السلطة السياسية أو الخلافة أو الإمامة أو غيرها مما يستخدم فى أدبيات السياسة الحديثة، والاستخدام الأول بمعنى الحكمة يتضح من خلال آيات مثل «ففرت منكم لما خفتكم، فوهب لى ربى حكماً وجعلنى من المسلمين»، التى قالها موسى بعد أن قتل المصرى وفر من شرطة فرعون مصر، ووقتها لم يكن حاكماً على الإطلاق بل أوتى الحكمة.. ومثل الآية التى دعا بها إبراهيم «رب هب لى حكماً وألحقنى بالصالحين» أى هب لى كمالاً فى العلم والعمل، وغيرها الكثير من الآيات التى تؤدى مثل هذا الاستخدام (للاستزادة برجاء قراءة كتاب الخلافة الإسلامية لسعيد العشماوى).

الاستخدام الثانى بمعنى القضاء فهذا هو ما يهمنا، لأن البديهية الأولى التى نتكلم عنها تنتمى إليه، أما عن الاستخدام بمعنى قضاء الله فنذكر بعض الأمثلة التوضيحية على سبيل المثال لا الحصر «ثم إلىّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون»، أى القضاء فيما اختلفوا فيه من أمر الدين لا من أمور الدنيا والسياسة، «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم، إن الله يحكم ما يريد»، أى يقضى بما يريد من تحليل أو تحريم، أما عن الاستخدام بمعنى قضاء القاضى فالأمثلة كثيرة، فقضاء داود وسليمان يسميه القرآن حكماً عندما يقول فى سورة الأنبياء «داود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين»، بل إن القرآن ليحدد باللفظ الصريح أن معنى الحكم هو القضاء، وذلك عندما تتحدث آياته الكريمة فى سورة النساء فتقول «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً»، ويتكرر هذا الاستخدام فى آيات قرآنية أخرى كثيرة وفى أحاديث نبوية شريفة وفى أبيات كثيرة من الشعر العربى القديم، أما البديهية التى نتكلم عنها والتى يعتبرها دعاة الدولة الدينية حصنهم المنيع، فإنها نزلت لسبب محدد، ولذلك فلكى يفهم معناها لا بد أن يعرف سبب نزولها، فلقد ذهب نفر من اليهود يحتكمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نزاع من نزاعاتهم، فنزلت هذه الآيات لتعالج لهم هذا الأمر الذى ذهبوا من أجله إلى الرسول يتحاكمون، فالواقعة قضائية بحتة والمقصود بها أهل الكتاب، كما يقول الطبرى فى تفسيره، ولا يصح أن نستنتج من خلالها نظرية الحاكمية الإلهية، التى يتحدث عنها المودودى المنظر الأول للجماعات الإسلامية، فيقول إنها «نزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدى البشر لأن ذلك أمر مختص به الله وحده»، إذن نحن أمام طمع سياسى يستخدم نصاً ولسنا أمام ورع إيمانى يستعطف رباً!.
نقلا عن الوطن

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع