أحمد الخميسي
مررت منذ أيام قلائل على الشقة التي كبرنا فيها مع أبي وأمي. عمارة رقم 15 ب شارع نوبار. شقة 6، بناها القرشي باشا أفخم ما تكون قبل الثورة،، ثم أممتها الثورة. كانت شقتنا في الطابق الثاني، وفي الوقت نفسه كان الشاعر صلاح جاهين يسكن الطابق الرابع ، وفي الخامس شقة الشاعر صلاح عبد الصبور.
هناك مازالت لصق الجدران ذكريات طفولتنا وصبانا، وكان لي مع أخي الأصغر حجرة منفردة، وللبنات حجرة أخرى، أما الصالة الكبيرة فكانت منامة للوافدين من الأصدقاء مشاريع أدباء وعشاق أدب وأنصاف موهبين علاوة على الأقارب وكل من تصادف وجوده في وسط البلد ومنعه الكسل من العودة إلي بيته! وكان باب الشقة مفتوحا لا يغلق - بالمعنى الحرفي للكلمة- ساعة واحدة ، ولم تكن الأنوار تنطفي قبل أن يشعشع الفجر. كنا ستة أولاد لكل منهم أصدقاؤه ومعارفه، فلم يخل البيت يوما من رسام أو موسيقي أو أديب، حتى أنني كنت أدخل البيت أحيانا فأقول " سلام عليكم" فيرد من الصالة عشرة لا أعرف أحدا منهم، جالسين يأكلون ويشربون الشاي ويتناقشون. في الستينات ترددت على هذه الشقة مجموعة من الأدباء منهم أمل دنقل ويحيي الطاهرعبد الله وسلوى بكر وجمال الغيطاني وأحمد فؤاد نجم ومحمد إبراهيم أبوسنة وعبد الرحمن الأبنودي وصلاح عيسى وآروى صالح وآخرون، بعضهم مثل عبد الرحيم منصور رحمه الله أقام شهرا في حجرتي شغل فيها مكتبي الوحيد لأنه يكتب " قصيدة ". كنا نجلس في المساء نستمع إلي بعض الألحان على البيانو أو قصصا وقصائد ونظل نثرثر بشأنها إلي أن يطل من النوافذ نور الفجر، فنهبط ونتجول في شوارع وسط البلد ونشتري الصحف.
وحين أتذكر الآن شقة شارع نوبار أتعجب وانا أحاول أن أكتشف متى وأين وكيف كنا نستذكر دروسنا بحيث ننتقل من عام دراسي إلى آخر؟ هل أقول إن طفولتنا انقضت بلا طفولة ؟ ربما، لأننا لم نكن نهبط إلي الشارع لنلعب الكرة مع الأولاد ، ولم نكن نصادق من هم في أعمارنا. كانت ظروفنا واهتماماتنا العقلية والروحية تثب بنا إلي النضج المبكر وتحرق في اندفاعها براءة وأفراح الصبا ، كنا كمن يرقب دخان حريق عاجزا عن إطفائه. ومن شقة نوبار شاركت وأنا في المبتديان الثانوية في أول مظاهرة عام 1965 ، ولم تكن ضد عبد الناصر بل ضد ملك المغرب الذي أطلقت قواته الرصاص على طلاب مغاربة تصادف أن كان من بينهم طلاب مصريون، فأصدر عبد الناصر أمرا بإطلاق تلاميذ المدارس في مظاهرات تحتج على ملك المغرب ليوم واحد. وهكذا- للمرة الأولى- ذقنا طعم المظاهرة التي كانت تنتهي بدخولنا سينما إيزيس في السيدة زينب، وأعجبنا الأمر، فعدنا للتظاهر في اليوم التالي، والتالي ، لمدة أسبوع انتهى بحصار قوات الشرطة للمدرسة وفصلي " من جميع مدارس القطر" ! وكنت في الثانية الثانوية .
فبدأت رحلة أخرى من العمل والكتابة . ثم حلت نكسة 1967 ، وفتحت على مصر بابا آخر وثبت منه كل الهزائم الصغيرة والكبيرة . الآن كلما مررت بشارع نوبارأو صعدت الدرج في عمارتنا نحو شقتنا تغمرني ذكريات الطفولة التي انقضت من دون أفراح كبيرة، ويثب أمام عيني ذلك النهم العجيب للحياة والعالم الذي استولى علينا حينذاك مبكرا، ورغم المشقة التي كابدناها صغارا يجرفني الحنين إلى تلك السنوات كما تحن فروع الشجر إلى مواسم الربيع، وكما يحن القمر إلى سمائه الرحبة.
نقلا عن الدستور





