سامي سمعان
حذر الدكتور سامح فوزي، كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، من خطورة العقل المتطرف وتأثيره المدمر على المجتمعات، مؤكدًا أن التطرف لا يرتبط بمستوى التعليم أو الثقافة، وإنما يرتبط بتركيبة فكرية ونفسية وعاطفية تدفع صاحبها إلى الاعتقاد الدائم بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن من حقه محاسبة الآخرين ومعاقبتهم بسبب اختلافهم معه في المعتقد أو الفكر.
وقال فوزي، خلال حديثه ببرنامج «آخر الأسبوع» المذاع على قناة «مي سات»، إن العقل المتطرف يعاني من جنوح شديد في التفكير والتعامل مع الآخرين، موضحًا أن أبرز سماته اعتقاد صاحبه الدائم بأنه على صواب، بينما الآخرون على خطأ، وهو ما قد يكون مقبولًا في إطار قناعة الإنسان بمعتقده، لكنه يتحول إلى خطورة حقيقية عندما يتطور إلى الإساءة للآخرين والتحريض عليهم والطعن في معتقداتهم.
وأضاف أن المتطرف يتعامل أحيانًا وكأنه وصي على المجتمع، يمنح نفسه الحق في تحديد ما يجب على الآخرين فعله وما لا يجب عليهم فعله، بل ويتصور أن لديه سلطة محاسبتهم ومعاقبتهم، وقد تصل ممارساته إلى القتل، وليس مجرد التعبير عن الكراهية أو إظهار المشاعر العدائية.
وأشار إلى أن الشخص المتطرف قد يكون حاصلًا على أعلى درجات التعليم، مستشهدًا بأيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، الذي كان طبيبًا، رغم أن مهنته يفترض أن تجعله مدركًا لقيمة الجسد الإنساني والحياة، لكنه اتجه إلى القتل والتحريض عليه، وهو ما يكشف أن التعليم وحده لا يحصن الإنسان من التطرف.
وأوضح فوزي أن المتطرف غالبًا ما يشعر بأنه مظلوم وأن العالم كله يقف ضده، ويتصور أنه مكلف بمهمة لمواجهة هذا العالم الذي يعتقد أنه يستهدفه ويستهدف معتقده وثقافته، لافتًا إلى أنه يعاني من تطرف معرفي ووجداني، وعدم استقرار في مشاعره وسلوكه، وقد يصل به الأمر إلى استهداف الآخرين معنويًا وجسديًا.
وتابع أن خطورة المتطرف تكمن في اعتقاده بأنه يفعل أمرًا إيجابيًا وينتصر للحق، حتى عندما يرتكب جرائم القتل، إذ قد يتصور أن هذه الأفعال تقربه إلى الله، مؤكدًا أن الشخص الذي يستحكم التطرف في تفكيره ويتجه إلى مواجهة الآخرين وتصفيتهم يحتاج إلى علاج متكامل يشمل الجوانب النفسية والعاطفية والسلوكية، إلى جانب تصحيح أفكاره ومساعدته على تغيير نمط حياته.
وشدد كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية على أن خطر التطرف لا يقتصر على أصحاب المعتقدات الأخرى، بل يمتد إلى أبناء الدين الواحد، موضحًا أن كثيرًا من المسلمين دفعوا ثمنًا باهظًا للتطرف الديني، بعدما اتخذ المتطرفون مواقف عدائية منهم وكفّروهم واستهدفوهم لمجرد اختلافهم مع تصوراتهم الأيديولوجية المنحرفة.
وأكد أن التطرف أعاد المنطقة العربية إلى الوراء على مدار سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن أي تقدم علمي أو ثقافي أو تعليمي، وأي تغيير حقيقي في مستقبل المنطقة، لن يتحقق إلا من خلال هزيمة التطرف والتخلص من الرواسب الفكرية التي أعادت المجتمعات عقودًا إلى الوراء.
واختتم فوزي حديثه بالتأكيد على ضرورة إعادة التفكير في المستقبل، ومواجهة الأفكار المتطرفة التي تعرقل تقدم المجتمعات، وترسيخ قيم احترام الإنسان والحياة والاختلاف، باعتبارها أساسًا لأي نهضة حقيقية.





