بقلم أيمن فايز عطية
ثمة فرق بين أن نعرف الطريق، وأن نعرف كيف أصبح الطريق صورة. وقد تختلط المسافتان حتى نظن أننا نرى في العمل الفني ما جرى قبل ألفي عام، بينما نحن نرى أيضًا ما أضافته إليه قرون من الإيمان والذاكرة والخيال التشكيلي.

كلما تأملت تصوير هروب العائلة المقدسة إلى مصر، استوقفني ذلك الهدوء الذي يكسو المشهد في كثير من الأعمال: أم تحمل طفلها، ويوسف يقود دابة، وطريق يمتد بين الأشجار والجبال. صورة توحي برحلة مطمئنة، حتى نكاد ننسى أن النص الذي انطلقت منه يروي هروبًا من القتل.

يقول الملاك ليوسف في إنجيل القديس متّى: «قم فخذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر» (متّى 2-13). وفي اليونانية تأتي الكلمة φεῦγε، أي «اهرب». ليست دعوة إلى زيارة، ولا أمرًا بالتجوال، بل حركة عاجلة يفرضها الخطر.

ولذلك يضيف الإنجيلي أن يوسف أخذ الطفل وأمه ليلًا.

إن الليل هنا ليس تفصيلًا زخرفيًا؛ إنه جزء من بنية الحدث. أما الفنان، فكثيرًا ما يختار نهارًا مضيئًا، وأشجارًا وجبالًا وطريقًا واضح المعالم. وليس في ذلك بالضرورة مخالفة للنص؛ فالإنجيلي يروي فعل النجاة، بينما يختار الفنان اللحظة التي يجعل بها النجاة مرئية. وقد يرسم الأسرة أثناء السفر، لا في ليلة خروجها الأولى.

وهنا تبدأ المسافة الدقيقة بين الحدث وصورته.

فحتى الهيئة التي اعتدناها، مريم تحمل الطفل فوق الدابة ويوسف يسير إلى جوارها، لم تكن الصيغة الوحيدة في الفن المسيحي. ففي أعمال أخرى يحمل يوسف المسيح، أو يظهر الطفل أكبر سنًا، وربما قادرًا على المشي.

وقد تتبعت الباحثة لورانس تيرييه أليفريس (Laurence Terrier Aliferis) هذا النموذج في دراستها Joseph christophore dans la Fuite en Égypte، المنشورة سنة 2016، موضحة امتداده في التقاليد الفنية اليونانية واللاتينية.

ولذلك لا نستطيع أن نستخرج عمر الطفل أو مدة إقامته في مصر من موضعه فوق كتف يوسف، أو من قدرته على السير. فهذه اختيارات لها تاريخ تشكيلي، وقد تتصل بنماذج فنية انتقلت بين الورش والعصور.

أما ما يهمني بوصفـي فنانًا، فهو أن تغيير موضع الطفل يغيّر بناء الصورة كلها: مركز الثقل، واتجاه الحركة، والعلاقة بين يوسف ومريم، والطريقة التي تقود بها الأجساد عين الناظر.

فالفنان لا يكتفي بأن يضيف تفاصيل إلى الحكاية؛ إنه يمنحها بناءً بصريًا لم يصفه الإنجيلي.

لكن الغريب أن الطريق الذي امتلأ في الفن بالتفاصيل يكاد يخلو منها في النص.

فالقديس متّى لا يذكر مدينة مصرية واحدة، ولا يحدد موضع الإقامة أو عدد السنوات. يروي أن يوسف أخذ الطفل وأمه وهرب إلى مصر، وبقي هناك حتى وفاة هيرودس، ثم عاد بعد أن تلقى أمرًا جديدًا في الحلم.

أما العبارة التي اختارها لتفسير الحدث، فهي من سفر هوشع: «ومن مصر دعوت ابني» (هوشع 11-1)

وفي أصلها العبري تتحدث العبارة عن إسرائيل، الابن الذي أخرجه الله من مصر. لكن متّى يعيد قراءة هذا التاريخ في شخص المسيح، فتدخل مصر في روايته لا بوصفها ملجأً خارج سلطة هيرودس المباشرة فحسب، بل بوصفها مكانًا محمّلًا بذاكرة الخروج.

وهذه العلاقة الكتابية لا تمنحنا خريطة للرحلة؛ إنها تكشف المعنى الذي أراد الإنجيلي أن يضع الحدث في إطاره.

ومع مرور الزمن، بدأت مصر التي لم يسمِّ متّى مدنها تكتسب أسماء وأمكنة وحكايات.

ففي كتاب تاريخ الرهبان في مصر (Historia Monachorum in Aegypto)، الذي يعود إلى أواخر القرن الرابع، نجد رواية عن دخول المسيح إلى الأشمونين وسقوط الأصنام أمامه. وهي رواية تستحضر نبوءة إشعيا عن ارتجاف أوثان مصر أمام الرب (إشعيا اش 19-1).

ولم تعد الحكاية هنا مجرد هروب من خطر هيرودس. لقد أصبح دخول المسيح إلى مدينة مصرية مناسبة لتصوير انهيار الأصنام أمامه.

وهذا التحول يستوقفني فنيًا؛ لأننا انتقلنا من ثلاثة أشخاص على طريق إلى مشهد يمكن أن يضم مدينة ومعبدًا وتماثيل ساقطة. لقد اكتسب الحدث إمكانات تصويرية جديدة من رواية لم يذكرها متّى.

لكن قِدم الرواية لا يجعلها شهادة معاصرة للقرن الأول. إنها تكشف ما كان معروفًا في زمن تدوينها، لا ما نستطيع إثبات وقوعه أمام المعبد القديم.
وحين نعود إلى مصر نفسها، وإلى ما بقي من فنها المسيحي المبكر، تظهر المفارقة الأشد إثارة.

فمصر التي احتفظت بتراث غني من الجداريات والرسوم الجنائزية والبرامج التصويرية، لا تقدم لنا، في الشواهد المبكرة الباقية والمنشورة التي تناولتها الدراسات، دورة جدارية متتابعة ترسم محطات رحلة العائلة المقدسة داخل مصر.

في البجوات بواحة الخارجة، نجد موضوعات كتابية، منها خروج بني إسرائيل من مصر، لكنها ليست تصويرًا لهروب العائلة المقدسة إليها. 

وفي باويط وسقارة، حيث ازدهرت الجداريات الرهبانية، نرى العذراء والمسيح والقديسين وموضوعات كتابية متعددة، دون أن نملك برنامجًا مبكرًا موثقًا يتتبع محطات الرحلة المصرية.

وفي دير الجنادلة في محافظة أسيوط وجبل الطير بمحافظة المنيا وكنائس مصر القديمة، ومنها أبو سرجة بالقاهرة، ينبغي التمييز بين الأثر المعماري والتقليد المرتبط بالمكان، وبين وجود جدارية قديمة تصور الحدث نفسه. 

فلا يكفي أن تكون الكنيسة قديمة لننسب إلى زمنها الأول كل رواية ارتبطت بها، كما لا تكفي المغارة أو موضع الزيارة لإثبات أن تصويرًا للرحلة كان موجودًا فيه منذ القرون المسيحية الأولى.

وهذه الملاحظة لا تعني الجزم بأن كل تصوير غائب اليوم لم يوجد يومًا؛ فقد ضاعت أعمال، وتعرضت جدران للهدم وإعادة الطلاء، ولم يصل إلينا كل ما أنتجه الفنانون المصريون.

لكن ما بقي يفرض علينا سؤالًا لا يمكن تجاوزه: كيف امتلكت الذاكرة الدينية هذا العدد من المحطات، بينما لم يصل إلينا من التصوير المسيحي المصري المبكر برنامج فني يقابلها في التفصيل؟

وسط هذه المفارقة، يبرز دير أبي حنّس، قرب أنصنا، بوصفه شاهدًا بالغ الأهمية.

ففي الكنيسة المنحوتة داخل محجر قديم، بقيت رسوم جدارية تتناول طفولة المسيح، ومن بينها حلم يوسف والهروب إلى مصر. وقد درست الباحثة جيرترود فان لون (Gertrud J. M. van Loon)، بالاشتراك مع الباحث ألان ديلاتر (Alain Delattre)، هذه الدورة التصويرية في بحث نُشر سنة 2006 بعنوان:

Le cycle de l’enfance du Christ dans l’église rupestre de saint Jean Baptiste à Deir Abou Hennis.
واللافت أن البرنامج لا يقتصر على أحداث إنجيل متّى؛ إذ يضم مشاهد متصلة بأليصابات ويوحنا المعمدان وزكريا، وبعضها مستمد من روايات الطفولة المسيحية غير القانونية.

وهذا يعني أننا أمام دورة تصويرية تستند إلى أكثر من مصدر سردي، لا إلى إنجيل متّى وحده.

أما تاريخ هذه الرسوم، فلا يزال يحتاج إلى التحفظ العلمي. فقد اقترح عالم الآثار الفرنسي جان كليدا (Jean Clédat) تأريخها بالقرن السادس، بينما طرحت قراءات أسلوبية أخرى تواريخ أقدم لبعض المشاهد، وتتناول دراسات أحدث رسوم الكنيسة ضمن نطاق يمتد من القرن السادس إلى الثامن.

إذن فوجود مشهد الهروب ليس مجرد رواية محلية عن المكان، بل موضوع معروف في دراسة الجداريات نفسها. غير أن تأريخه الدقيق ليس محسومًا، كما أنه لا يقدم سلسلة بمحطات العائلة داخل مصر.

ومن الناحية الفنية، فإننا لا ننظر إلى إِيقونة خشبية مستقلة، بل إلى مشهد داخل دورة جدارية مرتبطة بعمارة الكنيسة وبقية موضوعات الطفولة. ولذلك فإن فهمه يبدأ من موضعه وعلاقته بالمشاهد المجاورة، لا من عزله عن سياقه وتحويله إلى دليل جغرافي.

إن جدارية أبي حنّس تثبت حضور موضوع الهروب في الفن المصري في زمن رسمها، لكنها لا تثبت مرور العائلة بالمكان الذي رُسمت فيه.
وهذا التمييز هو ما نفتقده أحيانًا عندما ننتقل من الفن إلى خرائط الرحلة.

فالتقاليد التي تطورت في الدلتا والصعيد قدّمت أسماء مدن وقرى وأديرة ومواضع إقامة، حتى بدا الطريق في بعض الروايات وكأنه مسار جغرافي متصل. 
وفي النص المعروف باسم رؤيا ثاؤفيلس (Visio Theophili)، المنسوب إلى ثاؤفيلس الإسكندري (Theophilus of Alexandria / Θεόφιλος Ἀλεξανδρείας)، بطريرك الإسكندرية في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، نجد رواية موسعة لرحلة العائلة في مصر.

غير أن نسبة النص إلى البطريرك لا تثبت أن جميع تفاصيله تعود إلى عصره؛ فالمخطوطات الباقية وصيغ الرواية المختلفة تستلزم التمييز بين زمن الشخصية المنسوب إليها النص، وزمن تدوينه وانتقاله.

وهنا تظهر مفارقة أخرى لا تقل أهمية عن غياب التصوير المبكر للمحطات.

إذا كانت الذاكرة قد احتفظت بهذا التفصيل الواسع لانتقال العائلة داخل مصر، فأين الطريق الموثق لعودتها؟ ومتى غادرت مصر تحديدًا؟
يخبرنا متّى بأن ملاك الرب ظهر ليوسف بعد موت هيرودس، وأمره بالعودة إلى أرض إسرائيل. ولما علم يوسف أن أرخيلاوس يحكم اليهودية، خاف الذهاب إليها، فاتجه إلى الجليل وأقام في الناصرة (متّى 2: 19–23).

لكن الإنجيلي لا يذكر من أي موضع مصري بدأت العودة، ولا الطريق الذي سلكته العائلة، ولا عدد الأيام التي استغرقتها، ولا السنة المحددة لخروجها من مصر.

أما التقاليد اللاحقة فتحتفظ بأخبار عن الانتقال والعودة، دون أن تتفق جميعها على مسار واحد. وقد حاولت دراسات جغرافية حديثة اقتراح طرق محتملة بالاستعانة بالجغرافيا التاريخية والطرق القديمة ومجاري النيل، لكنها تبقى نماذج بحثية، لا وثائق معاصرة لحركة العائلة.

وهنا ينبغي أن نتوقف أمام الفرق بين طريق يمكن اقتراحه جغرافيًا، وطريق يمكن إثباته تاريخيًا.

فقد يكون المسار ممكنًا، وقد تكون بعض محطاته قديمة في الذاكرة المحلية، لكن جمعها في خط واحد على الخريطة لا يمنحها جميعًا الدرجة نفسها من التوثيق.

والأمر نفسه ينطبق على الصورة.

فحين يظهر الطفل يسوع ماشيًا في إِيقونة متأخرة، لا نستطيع أن نستخرج من خطواته عدد سنوات الإقامة. وحين يظهر يوسف حاملًا الطفل، لا نستطيع أن نقرر من وضعه أن المشهد يمثل الذهاب أو العودة. وحين نرى كنيسة قديمة في موضع ارتبط بالعائلة، لا يصبح تاريخ عمارتها تاريخًا مؤكدًا للحدث الذي ترويه الذاكرة عنه.

فلكل شاهد طبيعته وحدوده.

ولعل ما يعنيني، بصفتي فنانًا، ليس أن أستبدل رواية بأخرى، ولا أن أجعل الفن محكمة لإثبات الوقائع أو نفيها. إنما أن نقرأ الصورة بما يليق بها، وأن نفهم كيف جعل الفنان الخوف حركة، والحماية علاقة بين الأجساد، والطريق فضاءً يجمع الأسرة، وكيف استطاعت ورش فنية مختلفة أن تمنح الحدث الواحد هيئات متعددة.

فالإِيقونة ليست وثيقة سفر، لكنها ليست صورة بلا تاريخ. والجدارية ليست شهادة عيان على القرن الأول، لكنها قد تكون شهادة ثمينة على فهم المسيحيين للحدث في القرن الذي رُسمت فيه.

ولا ينبغي أن نُضعف هذه الشهادة بإجبارها على إثبات ما لم تُنشأ لإثباته.

لقد هربت العائلة إلى مصر بحسب شهادة إنجيل القديس متّى. أما الطريق الواسع الذي نرويه اليوم، فقد وصل إلينا عبر نصوص وتقاليد وأماكن وآثار فنية لا تنتمي جميعها إلى الزمن نفسه، ولا تقدم جميعها النوع نفسه من الدليل.

وهنا لا يصبح السؤال: هل نصدق الرحلة كلها أم نرفضها كلها؟
بل كيف نقرأ ما بين أيدينا دون أن نختصر ألفي عام من النصوص والصور والذاكرة في خريطة واحدة؟

إن ما يهمني في النهاية أن يظل الفن قادرًا على أن يعلّمنا الرؤية، لا أن نستخدمه لتأكيد ما قررنا مسبقًا أن نراه.

فربما لم تكن المشكلة يومًا في أن الفنان رسم أكثر مما قاله الإنجيلي، بل في أننا طلبنا من الرسم أن يثبت أكثر مما يعرفه الفنان.