د نادية هنري

من أخطر الأسئلة التي تُطرح على المصريين: هل نحن شعب مؤهل للديمقراطية؟

يبدو السؤال مشروعًا، لكنه يحمل افتراضًا خطيرًا: أن الديمقراطية حق لا يستحقه الشعب إلا بعد أن يثبت نضجه السياسي. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يتعلم المجتمع الديمقراطية قبل أن يمارسها، أم أن ممارستها هي إحدى الوسائل الأساسية لتعلّمها؟

لم يبدأ هذا السؤال مع ثورة يناير 2011. فبعد ثورة 1919، خاض المصريون تجربة دستورية وبرلمانية شهدت أحزابًا وانتخابات وصحافة وتنافسًا سياسيًا، لكنها عانت تدخلات القصر والاحتلال البريطاني وأزمات متكررة. لم تكن ديمقراطية مكتملة، لكنها لم تكن غيابًا للديمقراطية أيضًا.

ثم جاءت حركة يوليو 1952، وانتهت الملكية وأُلغيت الحياة الحزبية القديمة، وبدأ بناء نظام تمركزت فيه السلطة تدريجيًا. ومع ترسيخ هذا النموذج، تكررت حجة أن المجتمع يحتاج إلى الاستقرار أو التنمية أو الوعي أولًا، قبل أن يصبح مستعدًا للديمقراطية.

لكن من يحدد متى تنتهي مرحلة الإعداد؟ ومن يملك حق تقرير أن الشعب أصبح مؤهلًا؟ وكيف لا تتحول هذه الحجة إلى مبرر دائم لتأجيل المشاركة السياسية؟

الديمقراطية تُمارَس ولا تُلقَّن فقط
الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة تقوم على تداول السلطة، واستقلال القضاء، وحرية التعبير والتنظيم، واحترام الحقوق، وخضوع الحاكم للقانون.

وهي ثقافة تعترف بأن المعارضة ليست خيانة، وأن المختلف ليس عدوًا، وأن الأغلبية لا تملك إلغاء حقوق الأقلية.

لكن هذه الثقافة لا تنشأ بالمواعظ وحدها؛ إنها تحتاج إلى أحزاب تتنافس بحرية، ومؤسسات تحمي الحقوق، ومجال عام يسمح بالنقاش والمحاسبة. فكيف نطالب المواطن بتعلم التنافس السياسي إذا كانت فرص المنافسة محدودة؟ وكيف نطالبه بالثقة في المؤسسات إذا لم يشعر باستقلالها؟

هذا لا يعني أن المجتمع بلا مسؤولية، بل يعني أن أهلية المجتمع للديمقراطية لا يمكن قياسها بمعزل عن البيئة السياسية التي يعيش فيها.

هل المجتمع المصري مسؤول أيضًا؟
نعم. فالمواطن مسؤول حين يبرر الاستبداد خوفًا من الفوضى، أو يرفض حقوق خصومه، أو يشارك في التخوين والتحريض. والنخب والأحزاب مسؤولة حين تقدم مصالحها على بناء المؤسسات، أو تتعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة لا قواعد ملزمة بعد الوصول إليها.

لكن مسؤولية المجتمع لا تبرر سلبه حق المشاركة، كما أن مسؤولية السلطة لا تعني إعفاء المواطنين والنخب من أخطائهم.

المطلوب هو التمييز بين مسؤولية الناس عن اختياراتهم، ومسؤولية النظام السياسي عن الشروط التي تُصنع فيها هذه الاختيارات.

ماذا كشفت ثورة يناير؟
أظهرت ثورة 25 يناير 2011 قدرة قطاعات واسعة من المصريين على التعبير عن مطالب سياسية مشتركة. لكن سقوط رأس النظام لم يكن كافيًا لبناء نظام ديمقراطي مستقر؛ فقد واجهت المرحلة الانتقالية انقسامات سياسية وصراعات على السلطة وأزمات في بناء المؤسسات وقواعد الحكم.

لا يمكن اختزال هذه النتيجة في أن الشعب لم يكن مؤهلًا للديمقراطية؛ فالتعثر قد يرتبط بأخطاء القوى السياسية، وبالقرارات التي اتُخذت، وباختلالات مؤسسية حدّت من فرص بناء نظام مستقر.

يناير لم يكن دليلًا قاطعًا على جاهزية المصريين للديمقراطية، ولا دليلًا على عجزهم عنها. كان تجربة ينبغي فهمها، لا استخدامها لإصدار حكم نهائي على شعب بأكمله.

من يملك حق تحديد أهلية الشعب؟
تكمن المفارقة في أن السلطة قد تستمد شرعيتها من الشعب، ثم تستخدم الادعاء بأن هذا الشعب غير ناضج لتقييد حقه في اختيارها ومحاسبتها.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: لا ديمقراطية لأن المجتمع غير مؤهل، ولا فرصة كافية لاكتساب الخبرة الديمقراطية لأن الديمقراطية مؤجلة.

وبالطبع، لا يكفي إعلان الديمقراطية لبنائها؛ فهي تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقواعد دستورية واضحة، وقوى سياسية مسؤولة، وضمانات تمنع احتكار السلطة. لكن هذه مهام بناء سياسي ومؤسسي، وليست مبررًا للوصاية الدائمة على المجتمع.

السؤال الحقيقي
لا يوجد شعب يولد ديمقراطيًا أو عاجزًا عن الديمقراطية. المجتمعات تتعلم من تجاربها، وتراجع أخطاءها، وقد تتقدم في مرحلة وتتراجع في أخرى.

والديمقراطية ليست ضمانة لعدم وقوع الأخطاء، بل نظام يسمح بتصحيحها، وتغيير الحكام دون هدم الدولة، ومعارضة السياسات دون تخوين أصحابها، ومحاسبة المسؤولين دون انتقام.

لذلك، ربما يكون السؤال الأهم لمصر اليوم ليس: هل الشعب مؤهل للديمقراطية؟

بل:

هل بنينا دولة تتيح للمصريين أن يتعلموا الديمقراطية ويمارسوها، أم ما زلنا نطلب منهم إثبات أهليتهم لحق لم تتوافر لهم دائمًا شروط ممارسته؟

فالديمقراطية ليست مكافأة يمنحها الحاكم لشعب يراه ناضجًا، ولا عصًا سحرية تحل مشكلات المجتمع. إنها نظام يوزع السلطة، ويحمي الحقوق، ويتيح التعلم من الأخطاء.

والتحدي الحقيقي ليس أن نثبت أن المصريين يستحقون الديمقراطية، بل أن نبني مؤسسات تجعل الحرية مسؤولية، والاختلاف حقًا، والسلطة قابلة للمحاسبة، والمواطنة متساوية للجميع.